وَالصَّوَاب أَن ذَلِك مُمكن فِي الْعقل فَأَما الْوُقُوع السمعي فَيرجع فِيهِ إِلَى دَلِيله١ وَذَلِكَ أَن كَون الْفِعْل الْوَاحِد محبوبًا مَكْرُوها، مرضيًا مسخوطًا، مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ، مقتضيًا للحمد وَالثَّوَاب والذم وَالْعِقَاب، لَيْسَ هُوَ من الصِّفَات اللَّازِمَة كالأسود والأبيض، والمتحرك والساكن، والحي وَالْمَيِّت وَإِن كَانَ فِي هَذِه الصِّفَات كَلَام أَيْضا وَإِنَّمَا هُوَ من الصِّفَات الَّتِي فِيهَا إِضَافَة متعدية مثل كَون الْفِعْل نَافِعًا وضارًا، ومحبوبًا ومكروهًا والنافع هُوَ الجالب للذة٢ والضار هُوَ الجالب للألم٣ وَكَذَلِكَ المحبوب هُوَ الَّذِي فِيهِ فَرح وَلَذَّة للمحب مثلا وَالْمَكْرُوه هُوَ الَّذِي فِيهِ ألم للكاره وَلِهَذَا كَانَ الْحسن والقبح الْعقلِيّ مَعْنَاهُ: الْمَنْفَعَة والمضرة٤ وَالْأَمر وَالنَّهْي يعودان إِلَى الْمَطْلُوب وَالْمَكْرُوه فَهَذِهِ صفة فِي الْفِعْل مُتَعَلقَة بالفاعل أَو غَيره وَهَذِه صفة فِي الْفِعْل مُتَعَلقَة بالآمر الناهي وَلِهَذَا قلت غير مرّة٥: إِن
_________________
(١) هَذَا بَيَان للإمكان الْعقلِيّ، وَقد اسْتدلَّ الْجُمْهُور على الْإِمْكَان الْعقلِيّ بِأَن السَّيِّد إِذا قَالَ لعَبْدِهِ خطّ هَذَا الثَّوْب وَلَا تدخل هَذِه الدَّار، فخاط العَبْد الثَّوْب فِي الدَّار الْمنْهِي عَنْهَا، يقطع بِطَاعَتِهِ من جِهَة أَن خاط وبمعصيته من جِهَة أَنه خاط فِي الدَّار، فَيكون فعل الْخياطَة مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ من جِهَتَيْنِ فَدلَّ ذَلِك على الْقطع بِجَوَاز ذَلِك عقلا. انْظُر بَيَان الْمُخْتَصر ١/٣٨٠.
(٢) وَهِي الْمصلحَة. انْظُر مِفْتَاح دَار السَّعَادَة ٢/١٤ وقواعد الْأَحْكَام ١/١٢ والفوائد فِي اخْتِصَار الْمَقَاصِد ٣٥
(٣) وَهِي الْمفْسدَة. انْظُر المراجع السَّابِقَة.
(٤) قَالَ الْعِزّ بن عبد السَّلَام فِي الْفَوَائِد ٣٧: “ويعبر عَن الْمصَالح والمفاسد بالمحبوب وَالْمَكْرُوه، والحسنات والسيئات، وَالْعرْف والنكر، وَالْخَيْر وَالشَّر، والنفع والضر، وَالْحسن والقبيح”.
(٥) وَمن ذَلِك قَوْله ﵀ فِي مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٨/٤٣٤ - ٤٣٦: - “قد ثَبت بِالْخِطَابِ وَالْحكمَة الْحَاصِلَة من الشَّرَائِع ثَلَاثَة أَنْوَاع: أَحدهَا: أَن يكون الْفِعْل مُشْتَمِلًا على مصلحَة أَو مفْسدَة وَلَو لم يَرِد الشَّرْع بذلك كَمَا يعلم أَن الْعدْل مُشْتَمل عل مصلحَة الْعَالم، وَالظُّلم يشْتَمل على فسادهم فَهَذَا النَّوْع هُوَ حسن وقبيح. وَقد يعلم بِالْعقلِ وَالشَّرْع قبح ذَلِك لَا أَنه أثبت للْفِعْل صفة لم تكن، لَكِن لَا يلْزم من حُصُول هَذَا الْقبْح أَن يكون فَاعله معاقبًا فِي الْآخِرَة إِذا لم يَرِد شرع بذلك النَّوْع الثَّانِي: أَن الشَّارِع إِذا أَمر بِشَيْء صَار حسنا وَإِذا نهى عَن شَيْء صَار قبيحًا واكتسب الْفِعْل صفة الْحسن والقبح بخطاب الشَّارِع. النَّوْع الثَّالِث: أَن يَأْمر الشَّارِع بِشَيْء ليمتحن العَبْد هَل يطيعه أم يعصيه وَلَا يكون المُرَاد فعل الْمَأْمُور بِهِ فالحكمة منشؤها من نفس الْأَمر لَا من نفس الْمَأْمُور بِهِ وَأما الْحُكَمَاء وَالْجُمْهُور فأثبتوا الْأَقْسَام الثَّلَاثَة وَهُوَ الصَّوَاب” انْتهى. وسأبسط هَذِه الْمَسْأَلَة فِي بحث قادم إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
[ ٤٠٥ ]
حسن الْفِعْل يحصل من نَفسه تَارَة وَمن الْآمِر تَارَة وَمن مجموعهما تَارَة.
والمعتزلة وَمن وافقهم من الْفُقَهَاء أَصْحَابنَا وَغَيرهم الَّذين يمْنَعُونَ النّسخ١ قبل التَّمَكُّن من الْفِعْل٢ لَا يثبتون إِلَّا الأول٣.
_________________
(١) النّسخ فِي اللُّغَة الْإِزَالَة والتغيير وَالرَّفْع والإبطال وَإِقَامَة الشَّيْء مقَامه. انْظُر الْقَامُوس الْمُحِيط ١/٢٧١ومختارالصحاح ٦٥٦. وَفِي الِاصْطِلَاح: إِزَالَة الحكم الثَّابِت بشرع مُتَقَدم بشرع مُتَأَخّر عَنهُ على وَجه لولاه لَكَانَ ثَابتا” انْظُر الْحُدُود للباجي ٤٩ وَالْإِشَارَة إِلَى معرفَة الْأُصُول للباجي ١٧.
(٢) وَهَذِه الْمَسْأَلَة من مسَائِل كَون الشَّيْء مَأْمُورا بِهِ من وَجه مَنْهِيّا عَنهُ من وَجه قَالَ ابْن قدامَة فِي الرَّوْضَة ١/٣٠٢ - ٣٠٣ “قَوْلهم إِنَّه يُفْضِي إِلَى أَن يكون الشَّيْء مَأْمُورا مَنْهِيّا، فَلَا يمْتَنع أَن يكون مَأْمُورا من وَجه مَنْهِيّا عَنهُ من وَجه”. وَهَذَا قَول أَكثر الْحَنَفِيَّة، وَأبي الْحسن التَّمِيمِي من الْحَنَابِلَة، والمعتزلة، وَقَالَ الكيا الطَّبَرِيّ إِنَّه قَول الْفُقَهَاء. انْظُر الْبَحْر الْمُحِيط ٤/٨٦ وروضة النَّاظر ١/٢٩٧ وَالْعدة ٣/٨٠٨ والتمهيد للكلوذاني ٢/٣٥٥.
(٣) وَهُوَ حسن الْفِعْل من نَفسه. انْظُر شرح مُخْتَصر الرَّوْضَة ٢/٢٨٢ وَالْعدة ٣/٨١٢ وَالْبَحْر الْمُحِيط ١/١٤٦ وَشرح الْكَوْكَب ١/٣٠٦ - ٣٠٧ وَنِهَايَة الْوُصُول ٢/٧٠٥.
[ ٤٠٦ ]
والأشعرية وَمن وافقهم من الْفُقَهَاء أَصْحَابنَا وَغَيرهم الَّذين لَا يثبتون للْفِعْل صفة إِلَّا إِضَافَة لتَعلق الْخطاب بِهِ لَا يثبتون إِلَّا الثَّانِي١.
وَالصَّوَاب إِثْبَات الْأَمريْنِ وَقدر زَائِد يحصل للْفِعْل من جنس تعلق الْخطاب غير تعلق الْخطاب وَيحصل للْفِعْل بعد الحكم.
فالخطاب مظهر تَارَة ومؤثر تَارَة وجامع بَين الْأَمريْنِ تَارَة
وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك فَنحْن نعقل ونجد أَن الْفِعْل الْوَاحِد من الشَّخْص أَو من غَيره يجلب لَهُ مَنْفَعَة ومضرة مَعًا، وَالرجل يكون لَهُ عدوَّان يقتل أَحدهمَا صَاحبه فيسر من حَيْثُ عدم عَدو، ويساء من حَيْثُ غلب عَدو، وَيكون لَهُ صديقان يعْزل أَحدهمَا صَاحبه فيساء من حَيْثُ انعزال صديق، وَيسر من حَيْثُ تولى صديق.
وَأكْثر أُمُور الدُّنْيَا من هَذَا فَإِن الْمصلحَة الْمَحْضَة نادرة٢.
_________________
(١) وَهُوَ حسن الْفِعْل لوُرُود الْأَمر بِهِ أَي من الْآمِر انْظُر الْبَحْر الْمُحِيط ١/١٣٥ و١٤٥ و١٤٦ وَالتَّلْخِيص رِسَالَة جامعية ١/١٥٨ وَشرح الْكَوْكَب ١/٣٠٧.
(٢) قَالَ الشاطبي فِي الموافقات ٢/٤٤: “الْمصَالح الدُّنْيَوِيَّة من حَيْثُ هِيَ مَوْجُودَة هُنَا لَا يتَخَلَّص كَونهَا مصَالح مَحْضَة، وأعني بالمصالح مَا يرجع إِلَى قيام حَيَاة الْإِنْسَان وَتَمام عيشه ونيله مَا تَقْتَضِيه أَوْصَافه الشهوانية والعقلية على الْإِطْلَاق حَتَّى يكون منعمًا على الْإِطْلَاق، وَهَذَا فِي مُجَرّد الاعتياد لَا يكون، لِأَن تِلْكَ الْمصَالح مشوبة بتكاليف ومشاق قَلَّتْ أَو كثرت تقترن بهَا أَو تسبقها أَو تلحقها كَالْأَكْلِ وَالشرب واللبس وَالسُّكْنَى وَالرُّكُوب وَالنِّكَاح وَغير ذَلِك، فَإِن هَذِه الْأُمُور لَا تنَال إِلَّا بكد وتعب”. وَقَالَ ابْن الْقيم فِي مِفْتَاح دَار السَّعَادَة ٢/١٦: - “وَلَا ريب عِنْد كل عَاقل أَن كَمَال الرَّاحَة بِحَسب التَّعَب وَكَمَال النَّعيم بِحَسب تحمل المشاق فِي طَرِيقه، وَإِنَّمَا تخلص الرَّاحَة واللذة وَالنَّعِيم فِي دَار السَّلَام فَأَما فِي هَذِه الدَّار فكلا وَلما”. وَقَالَ الْعِزّ بن عبد السَّلَام فِي قَوَاعِد الْأَحْكَام ١/١٢: - “الْمصَالح الْمَحْضَة قَليلَة وَكَذَلِكَ الْمَفَاسِد الْمَحْضَة وَالْأَكْثَر مِنْهَا اشْتَمَل على الْمصَالح والمفاسد”. وَقَالَ أَيْضا فِي قَوَاعِد الْأَحْكَام ١/١١٥ “وَاعْلَم أَن الْمصَالح الْخَالِصَة عزيزة الْوُجُود فَإِن المآكل والمشارب والملابس والمناكح والمراكب والمساكن لَا تحصل إِلَّا بنَصَب مقترن بهَا أَو سَابق أَو لَاحق، وَأَن السَّعْي فِي تَحْصِيل هَذِه الْأَشْيَاء كلهَا شاق على مُعظم الْخلق لَا ينَال إِلَّا بكد وتعب فَإِذا حصلت اقْترن بهَا من الْآفَات مَا ينكدها وينغصها”.
[ ٤٠٧ ]
فَأكْثر الْحَوَادِث فِيهَا مَا يسوء وَيسر فيشتمل الْفِعْل على مَا ينفع وَيُحب وَيُرَاد وَيطْلب وعَلى مَا يضر وَيبغض وَيكرهُ وَيدْفَع، وَكَذَلِكَ الْآمِر يَأْمر بتحصيل النافع وَينْهى عَن تَحْصِيل الضار، فيأمر بِالصَّلَاةِ الْمُشْتَملَة على الْمَنْفَعَة وَينْهى عَن الْغَصْب١ الْمُشْتَمل على مضرَّة.
فَإِذا قَالُوا: الْمُمْتَنع أَن يَأْمُرهُ بِفعل وَاحِد من وَجه وَاحِد فَيَقُول: - صَلِّ هُنَا وَلَا تصلِّ هُنَا، فَإِن هَذَا جمع بَين النقيضين٢، وَالْجمع بَين النقيضين مُمْتَنع لِأَنَّهُ جمع بَين النَّفْي وَالْإِثْبَات.
فقد يُقَال لَهُم: الْجمع بَين النقيضين مُمْتَنع فِي الْخَبَر فَإِذا قلت صلى زيد هُنَا، لم يصلِّ هُنَا، امْتنع ذَلِك.
لِأَن الصَّلَاة هُنَا إِمَّا أَن تكون وَإِمَّا أَن لَا تكون وَكَونهَا هُوَ عينهَا وَمَا يتبعهُ من الصِّفَات اللَّازِمَة الَّتِي لَيْسَ فِيهَا نِسْبَة وَإِضَافَة وَتعلق فَأَما الْجمع بَينهمَا فِي الْإِرَادَة وَالْكَرَاهَة، والطلب وَالدَّفْع، والمحبة والبغضة، وَالْمَنْفَعَة والمضرة، فَهَذَا لَا يمْتَنع، فَإِن وجود الشَّيْء قد يكون مرَادا وَيكون عَدمه مرَادا أَيْضا إِذا كَانَ فِي
_________________
(١) فِي المطبوع “الْغَضَب”.
(٢) النقيضان هما اللَّذَان لَا يَجْتَمِعَانِ مَعًا وَلَا يرتفعان مَعًا، والتناقض نِسْبَة بَين معنى وَمعنى آخر من جِهَة عدم إِمْكَان اجْتِمَاعهمَا مَعًا وَعدم إِمْكَان ارتفاعهما مَعًا فِي شَيْء وَاحِد وزمان وَاحِد. انْظُر تقريب الْوُصُول ١١٢ وضوابط الْمعرفَة ٥٥.
[ ٤٠٨ ]
كل مِنْهُمَا مَنْفَعَة للمريد، وَيكون أَيْضا وجوده أَو عَدمه مَكْرُوها بِحَيْثُ يلتذ العَبْد ويتألم بِوُجُودِهِ وَعَدَمه كَمَا قيل:
فاعجب لشَيْء على الْبغضَاء مَحْبُوب الشيب كره، وَكره أَن نفارقه
فَهُوَ يكره الشيب ويبغضه لما فِيهِ من زَوَال الشَّبَاب النافع وَوُجُود الشيب الضار وَهُوَ يُحِبهُ أَيْضا وَيكرهُ عَدمه لما فِيهِ من وجود الْحَيَاة وَفِي عَدمه من الفناء.
وَهَذَا حَال مَا اجْتمع فِيهِ مصلحَة ومفسدة من جَمِيع الْأُمُور.
لَكِن١ التَّحْقِيق أَن الْفِعْل الْمعِين كَالصَّلَاةِ فِي الدَّار الْمعينَة لَا يُؤمر بِعَينهَا وَينْهى عَن عينهَا لِأَنَّهُ تَكْلِيف٢ مَا لَا يُطَاق٣، فَإِنَّهُ تَكْلِيف للْفَاعِل أَن يجمع بَين وجود الْفِعْل الْمعِين وَعَدَمه٤.
وَإِنَّمَا يُؤمر بهَا من حَيْثُ هِيَ مُطلقَة وَينْهى عَن الْكَوْن فِي الْبقْعَة فَيكون مورد الْأَمر غير مورد النَّهْي٥ وَلَكِن تلازما فِي الْمعِين٦، وَالْعَبْد هُوَ الَّذِي جمع
_________________
(١) بعد أَن انْتهى من بَيَان الْإِمْكَان الْعقلِيّ شرع فِي بَيَان حَقِيقَة الْوُرُود السمعي.
(٢) التَّكْلِيف لُغَة الْأَمر بِمَا يشق. انْظُر لِسَان الْعَرَب ٥/٣٩١٧ وَاصْطِلَاحا قيل إِلْزَام مُقْتَضى خطاب الشَّرْع، وَقيل الدُّعَاء إِلَى مَا فِيهِ كلفة وَقيل إِلْزَام مَا فِيهِ كلفة. انْظُر شرح مُخْتَصر الرَّوْضَة ١/١٧٩ والبرهان ١/٨٨.
(٣) سَيَأْتِي بسط هَذِه الْمَسْأَلَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي بحث قادم.
(٤) انْظُر شرح الْكَوْكَب ١/٣٩١ والمستصفى ١/٢٥٤ وَبَيَان الْمُخْتَصر ١/٣٧٨.
(٥) النَّهْي فِي اللُّغَة الْكَفّ وَالْمَنْع. انْظُر لِسَان الْعَرَب ٦/٤٥٦٤ - ٤٥٦٥ وَفِي الِاصْطِلَاح: القَوْل الدَّال بِالذَّاتِ على اقْتِضَاء كف عَن فعل لَا بقول كف وَنَحْوه وَزَاد بَعضهم على وَجه الْعُلُوّ وَزَاد بَعضهم على وَجه الاستعلاء. انْظُر مذكرة أبرز الْقَوَاعِد الْأُصُولِيَّة ١٩٢ مُكَرر وَنشر البنود ١/١٩٥ وَجمع الْجَوَامِع مَعَ حَاشِيَة الْعَطَّار ١/٤٩٦ وقواطع الْأَدِلَّة ١/٢٥١ وَالْبَحْر الْمُحِيط ٢/٤٢٦.
(٦) قَالَ فِي القواطع ١/٢٤٥: “الصَّلَاة غير مَنْهِيّ عَنْهَا بِحكم جَوَازهَا، دَلِيله الصَّلَاة فِي ملكه وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن الصَّلَاة غير مَنْهِيّ عَنْهَا لِأَن النَّهْي وَإِن ورد لكنه ينْصَرف إِلَى فعل الْغَصْب لَا إِلَى فعل الصَّلَاة، أَلا ترى أَن بعد الْخُرُوج من الصَّلَاة هُوَ فَاعل للغصب غير فَاعل للصَّلَاة، أَلا ترى أَنه لَو صلى فِي مَكَان من الدَّار لَا يخرج من أَن يكون غَاصبا لغير ذَلِك الْمَكَان من بقاع الدَّار”.
[ ٤٠٩ ]
ين الْمَأْمُور بِهِ والمنهي عَنهُ لَا أَن الشَّارِع أمره بِالْجمعِ بَينهمَا١ فَأمره بِصَلَاة مُطلقَة، وَنَهَاهُ عَن كَون مُطلق، وَأما الْمعِين فالشارع لَا يَأْمر بِهِ وَلَا ينْهَى عَنهُ كَمَا فِي سَائِر المعينات.
وَهَذَا أصل مطرد فِي جَمِيع مَا أَمر الله بِهِ من المطلقات، بل فِي كل أَمر فَإِنَّهُ إِذا أَمر بِعِتْق رَقَبَة مُطلقَة كَقَوْلِه ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ٢، أَو بإطعام سِتِّينَ مِسْكينا أَو صِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين٣، أَو بِصَلَاة فِي مَكَان، أَو غير ذَلِك، فَإِن العَبْد لَا يُمكنهُ الِامْتِثَال إِلَّا بِإِعْتَاق رَقَبَة مُعينَة، وإطعام طَعَام معِين لمساكين مُعينين، وَصِيَام أَيَّام مُعينَة، وَصَلَاة مُعينَة فِي مَكَان معِين فالمعين فِي جَمِيع المأمورات الْمُطلقَة لَيْسَ مَأْمُورا بِعَيْنِه وَإِنَّمَا الْمَأْمُور بِهِ مُطلق، وَالْمُطلق يحصل بالمعين.
فالمعين فِيهِ شَيْئَانِ:
خُصُوص عينه، والحقيقة الْمُطلقَة.
فالحقيقة الْمُطلقَة هِيَ الْوَاجِبَة، وَأما خُصُوص الْعين فَلَيْسَ وَاجِبا وَلَا مَأْمُورا
_________________
(١) انْظُر تيسير التَّحْرِير ٢/٢١٩ وَشرح مُخْتَصر الرَّوْضَة ١/٣٦٧ وَالْبَحْر الْمُحِيط ١/٢٦٣.
(٢) سُورَة المجادلة آيَة رقم ٣.
(٣) قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ المجادلة ٣ - ٤.
[ ٤١٠ ]
بِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ أحد الْأَعْيَان الَّتِي يحصل بهَا الْمُطلق بِمَنْزِلَة الطَّرِيق إِلَى مَكَّة وَلَا قصد للْآمِر فِي خُصُوص التَّعْيِين١.
وَهَذَا الْكَلَام مَذْكُور فِي مَسْأَلَة الْوَاجِب على التَّخْيِير وَالْوَاجِب الْمُطلق٢ وَالْوَاجِب الْمعِين وَالْفرق بَينهَا: أَن الْوَاجِب الْمُخَير٣ قد أَمر فِيهِ بِأحد أَشْيَاء محصورة وَالْمُطلق لم يُؤمر فِيهِ بِأحد أَشْيَاء محصورة وَإِنَّمَا أَمر بالمطلق وَلِهَذَا اخْتلف فِي الْوَاجِب الْمُخَير فِيهِ هَل الْوَاجِب هُوَ الْقدر الْمُشْتَرك، كالواجب الْمُطلق، أَو الْوَاجِب هُوَ الْمُشْتَرك والمميز أَيْضا على التَّخْيِير؟ ٤.
فِيهِ وَجْهَان:
والمشترك هُوَ كَونه أَحدهَا٥.
_________________
(١) فَمن ملك مائَة رَقَبَة مثلا فأيها أعتق يَقع من الْكَفَّارَة. انْظُر قواطع الْأَدِلَّة ١/١٧٦.
(٢) الْوَاجِب الْمُطلق هُوَ مَا تعلق الْعقَاب بِتَرْكِهِ. انْظُر الْفَقِيه والمتفقه ١/١٩١ وَسَيَأْتِي تَعْرِيف لَهُ فِي الْحَاشِيَة رقم (٣) ص (٤١٢) .
(٣) الْوَاجِب المخيرهو إِيجَاب شَيْء مُبْهَم من أَشْيَاء محصورة. انْظُر الْبَحْر الْمُحِيط ١/١٨٦.
(٤) عِنْد أَكثر الْعلمَاء الْوَاجِب وَاحِد لَا بِعَيْنِه وَيتَعَيَّن بِفعل الْمُكَلف ومتعلق الْوُجُوب هُوَ الْقدر الْمُشْتَرك بَين الْخِصَال. انْظُر شرح الْكَوْكَب ١/٣٨٠ وَالْقَوَاعِد والفوائد الْأُصُولِيَّة ٦٥ والتبصرة ٧٠ وقواطع الْأَدِلَّة ١/١٧١ وموافقة صَحِيح الْمَنْقُول لصريح الْمَعْقُول ١/١٢٨ وَقَالَت الْمُعْتَزلَة: تجب جَمِيع الْخِصَال وَيسْقط بِفعل وَاحِد مِنْهَا. انْظُر شرح الْكَوْكَب ١/٣٨٢ وَالْقَوَاعِد والفوائد الْأُصُولِيَّة ٦٥ والتبصرة ٧٠ وقواطع الْأَدِلَّة ١/١٧١ وموافقة صَحِيح الْمَنْقُول لصريح الْمَعْقُول ١/١٢٨.
(٥) قَالَ شيخ الْإِسْلَام فِي مُوَافقَة صَحِيح الْمَنْقُول لصريح الْمَعْقُول ١/١٢٨: “وَحَقِيقَة الْأَمر أَن الْوَاجِب هُوَ الْقدر الْمُشْتَرك بَين الثَّلَاثَة وَهُوَ مُسَمّى أَحدهَا فَالْوَاجِب أحد الثَّلَاثَة، وَهَذَا مُتَعَيّن متميز مَعْرُوف للْمَأْمُور وَهَذَا الْمُسَمّى يُوجد فِي هَذَا الْمعِين وَهَذَا الْمعِين وَهَذَا الْمعِين فَلم يجب وَاحِد بِعَيْنِه غير معِين بل وَجب أحد المعينات والامتثال يحصل بِوَاحِد مِنْهَا وَإِن لم يُعينهُ إِذا كَانَ الْوَاجِب غير معِين بل هُوَ الْقدر الْمُشْتَرك لَا مُنَافَاة بَين الْإِيجَاب وَترك التَّعْيِين” وَانْظُر بَيَان الْمُخْتَصر ١/٣٥١.
[ ٤١١ ]
فعلى هَذَا مَا تميز بِهِ أَحدهَا عَن الآخر لَا يُثَاب عَلَيْهِ ثَوَاب الْوَاجِب١، بِخِلَاف مَا إِذا قيل المتميز وَاجِب على الْبَدَل أَيْضا٢.
أما الْمُطلق فَلم يتَعَرَّض فِيهِ للأعيان المتميزة بِقصد لكنه من ضَرُورَة الْوَاقِع فَهُوَ من بَاب مَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ٣.
وَهُوَ وَإِن قيل هُوَ وَاجِب فَهُوَ وَاجِب فِي الْفِعْل وَهُوَ مُخَيّر فِيهِ، فاختياره لإحدى الْعَينَيْنِ لَا يَجعله وَاجِبا عينا.
_________________
(١) قَالَ فِي شرح الْكَوْكَب١/٣٨٣: “إِن كفَّر بهَا كلهَا أَو بِأَكْثَرَ من وَاحِد مرتبَة فَالْوَاجِب الأول إِجْمَاعًا لِأَنَّهُ الَّذِي أسقط الْفَرْض وَالَّذِي بعده لم يُصَادف وجوبا فِي الذِّمَّة وَإِن أخرج الْكل مَعًا فِي وَقت وَاحِد أثيب ثَوَاب وَاجِب على أَعْلَاهَا فَقَط”. وَانْظُر الْقَوَاعِد والفوائد الْأُصُولِيَّة ٦٧ وَنِهَايَة الْوُصُول ٢/٥٢٨ والتمهيد للأسنوي ٨١.
(٢) نُقِل عَن بعض الْمُعْتَزلَة أَنه إِن فعل الْجَمِيع يُثَاب عَلَيْهَا ثَوَاب الْوَاجِب، لَكِن قيل إِن هَذَا مَذْهَب من لَا يعبأ بِهِ مِنْهُم، وَقد نقل بعض الْعلمَاء الِاتِّفَاق على أَنه لَا يُثَاب على الْجَمِيع ثَوَاب الْوَاجِب. انْظُر الْقَوَاعِد والفوائد الْأُصُولِيَّة ٦٦ وَنِهَايَة الْوُصُول ٢/٥٢٨ و٥٣٢.
(٣) قَالَ شيخ الْإِسْلَام فِي مُوَافقَة صَحِيح الْمَنْقُول لصريح الْمَعْقُول ١/١٢٨: “الْوَاجِب الْمُطلق وَهُوَ الْأَمر بالماهية الْكُلية كالأمر بِإِعْتَاق رَقَبَة مُطلقَة، وَالْمُطلق لَا يُوجد إِلَّا معينا، لَكِن لَا يكون معينا فِي الْعلم وَالْقَصْد، فالآمر لم يقْصد وَاحِدًا بِعَيْنِه مَعَ علمه بِأَنَّهُ لَا يُوجد إِلَّا معينا وَأَن الْمُطلق الْكُلِّي وجوده عِنْد النَّاس فِي الأذهان لَا فِي الْأَعْيَان فَمَا هُوَ مُطلق كلي فِي أذهان النَّاس لَا يُوجد إِلَّا معينا مشخصًا مَخْصُوصًا متميزًا فِي الْأَعْيَان، وَإِنَّمَا سمي كليًا لكَونه فِي الذِّهْن كليًا وَأما الْخَارِج فَلَا يكون فِي الْخَارِج مَا هُوَ كلي أصلا”. وَسَيَأْتِي بسط مَسْأَلَة مَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ فِي بحث قادم إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
[ ٤١٢ ]
فَتبين بذلك أَن تعْيين عين الْفِعْل وَعين الْمَكَان لَيْسَ مَأْمُورا بِهِ، فَإِذا نهي عَن الْكَوْن فِيهِ لم يكن هَذَا الْمنْهِي عَنهُ قد أَمر بِهِ، إِذْ الْمَأْمُور بِهِ مُطلق وَهَذَا الْمعِين لَيْسَ من لَوَازِم الْمَأْمُور بِهِ، وَإِنَّمَا يحصل بِهِ الِامْتِثَال كَمَا يحصل بِغَيْرِهِ.
فَإِن قيل: إِن لم يكن مَأْمُورا بِهِ فَلَا بُد أَن يُبَاح الِامْتِثَال بِهِ وَالْجمع بَين النَّهْي وَالْإِبَاحَة١ جمع بَين النقيضين.
قيل: وَلَا يجب أَن يُبَاح الِامْتِثَال بِهِ بل يَكْفِي ألاّ ينْهَى عَن الِامْتِثَال بِهِ فَمَا بِهِ يُؤدى الْوَاجِب لَا يفْتَقر إِلَى إِيجَاب وَلَا إِلَى إِبَاحَة بل يَكْفِي أَلا يكون مَنْهِيّا عَن الِامْتِثَال بِهِ، فَإِذا نَهَاهُ عَن الِامْتِثَال بِهِ امْتنع أَن يكون الْمَأْمُور بِهِ دَاخِلا فِيهِ من غير مَعْصِيّة.
فَهُنَا أَرْبَعَة أَقسَام:
١ - أَن يكون مَا يمتثل وَاجِبا كإيجاب صِيَام شهر رَمَضَان بالإمساك فِيهِ عَن الْوَاجِب.
٢ - وَأَن يكون مُبَاحا كخصال الْكَفَّارَة فَإِنَّهُ قد أُبِيح لَهُ نوع كل مِنْهَا كَمَا لَو قَالَ أطْعم زيدا أَو عمرا.
٣ - وألاّ يكون مَنْهِيّا عَنهُ كالصيام الْمُطلق وَالْعِتْق الْمُطلق، فالمعين لَيْسَ مَنْهِيّا عَنهُ وَلَا مُبَاحا بخطاب بِعَيْنِه إِذْ لَا يحْتَاج إِلَى ذَلِك.
٤ - وَالرَّابِع أَن يكون مَنْهِيّا عَنهُ كالأضاحي المعيبة وإعتاق الْكَافِر.
فَإِذا صلّى فِي مَكَان مُبَاح كَانَ ممتثلًا لإتيانه بِالْوَاجِبِ بِمعين لَيْسَ مَنْهِيّا عَنهُ، وَإِذا صلى فِي الْمَغْصُوب فقد يُقَال: إِنَّمَا نهي عَن جنس الْكَوْن فِيهِ لَا عَن خُصُوص الصَّلَاة فِيهِ فقد أدّى الْوَاجِب بِمَا لم ينْه عَن الِامْتِثَال بِهِ لَكِن نهي عَن
_________________
(١) الْإِبَاحَة هِيَ وُرُود خطاب الشَّرْع بالتخيير بَين الْفِعْل وَالتّرْك. انْظُر شرح الْكَوْكَب ١/٣٤٢.
[ ٤١٣ ]
جنس فعله، فبه اجْتمع فِي الْفِعْل الْمعِين مَا أَمر بِهِ من الصَّلَاة الْمُطلقَة وَمَا نهي عَنهُ من الْكَوْن الْمُطلق فَهُوَ مُطِيع عاصٍ١.
وَلَا نقُول: إِن الْفِعْل الْمعِين مَأْمُور بِهِ مَنْهِيّ عَنهُ لَكِن اجْتمع فِيهِ الْمَأْمُور بِهِ والمنهي عَنهُ كَمَا لَو صلى ملابسًا لمعصية من حمل مَغْصُوب.
وَقد يُقَال٢: بل هُوَ مَنْهِيّ عَن الِامْتِثَال بِهِ كَمَا هُوَ مَنْهِيّ عَن الِامْتِثَال بِالصَّلَاةِ فِي الْمَكَان النَّجس وَالثَّوْب النَّجس، لِأَن الْمَكَان شَرط٣ فِي الصَّلَاة، وَالنَّهْي عَن الْجِنْس نهي عَن أَنْوَاعه فَيكون مَنْهِيّا عَن بعض هَذِه الصَّلَاة، بِخِلَاف الْمنْهِي عَنهُ إِذا كَانَ مُنْفَصِلا عَن أبعاضها كَالثَّوْبِ الْمَحْمُول فالحمل لَيْسَ من الصَّلَاة.
فَهَذَا مَحل نظر الْفُقَهَاء وَهُوَ مَحل للِاجْتِهَاد٤.
_________________
(١) انْظُر قواطع الْأَدِلَّة ١/٢٤٧ - ٢٤٨.
(٢) حَاصله أَن النَّهْي رَاجع إِلَى شَرط مُعْتَبر فِي الصَّلَاة لِأَنَّهَا أَفعَال تفْتَقر إِلَى أكوان فَإِذا كَانَ الْكَوْن الَّذِي هُوَ شَرط مَنْهِيّا عَنهُ دلّ على الْفساد، كَمَا لَو صلى فِي ثوب نجس، لِأَن النَّهْي رَجَعَ إِلَى شَرط مُعْتَبر. انْظُر الْعدة ٢/٤٤٣.
(٣) الشَّرْط: فِي اللُّغَة إِلْزَام الشَّيْء والتزامه والعلامة. انْظُر الْقَامُوس الْمُحِيط ٢/٣٦٨. وَفِي الِاصْطِلَاح مَا يلْزم من عَدمه عدم الحكم وَلَا يلْزم من وجوده وجود الحكم وَلَا عَدمه لذاته. انْظُر تقريب الْوُصُول ٢٤٦.
(٤) الِاجْتِهَاد: فِي اللُّغَة افتعال من الجَهد بِمَعْنى الطَّاقَة وَالْمَشَقَّة وَمن الجُهد بِمَعْنى الطَّاقَة وَالِاجْتِهَاد بذل الوسع. انْظُر الْقَامُوس الْمُحِيط ١/٢٨٦ ولسان الْعَرَب ١/٧٠٨. وَفِي الِاصْطِلَاح: استفراغ الْجهد فِي دَرك الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة. انْظُر الْمِنْهَاج مَعَ نِهَايَة السول ٤/٥٢٤ والإبهاج ٣/٢٤٦.
[ ٤١٤ ]
لَا أَن عين هَذِه الأكوان هِيَ مَأْمُور بهَا ومنهي عَنْهَا فَإِن هَذَا بَاطِل قطعا، بل عينهَا وَإِن كَانَت مَنْهِيّا عَنْهَا فَهِيَ مُشْتَمِلَة على الْمَأْمُور بِهِ وَلَيْسَ مَا اشْتَمَل على الْمَأْمُور بِهِ الْمُطلق يكون مَأْمُورا بِهِ.
ثمَّ يُقَال: وَلَو نهي عَن الِامْتِثَال على وَجه معِين مثل أَن يُقَال: - صلِّ وَلَا تصلِّ فِي هَذِه الْبقْعَة، وخِطْ هَذَا الثَّوْب وَلَا تخِطْه فِي هَذَا الْبَيْت، فَإِذا صلى فِيهِ وخاط فِيهِ فَلَا ريب أَنه لم يَأْتِ بالمأمور بِهِ كَمَا أَمر لَكِن هَل يُقَال: أَتَى بِبَعْض الْمَأْمُور بِهِ أَو بِأَصْلِهِ دون وَصفه؟ وَهُوَ مُطلق الصَّلَاة والخياطة دون وَصفه.
أَو مَعَ مَنْهِيّ عَنهُ بِحَيْثُ يُثَاب على ذَلِك الْفِعْل وَإِن لم يسْقط الْوَاجِب أَو عُوقِبَ على الْمعْصِيَة وَقد تقدم القَوْل فِي ذَلِك وبينت أَن الْأَمر كَذَلِك وَهِي تشبه مَسْأَلَة صَوْم يَوْم الْعِيد وَنَحْوه مِمَّا يَقُول أَبُو حنيفَة فِيهِ بِعَدَمِ الْفساد١٢.
_________________
(١) الْفساد فِي اللُّغَة ضد الصّلاح. انْظُر الْقَامُوس الْمُحِيط ١/٣٢٣. وَفِي الِاصْطِلَاح عِنْد الْجُمْهُور فِي الْعِبَادَات عدم سُقُوط الْقَضَاء بِالْفِعْلِ، وَفِي الْمُعَامَلَات تخلف الْأَحْكَام عَنْهَا وخروجها عَن كَونهَا أسبابًا مفيدة للْأَحْكَام وَعند الْحَنَفِيَّة الْفَاسِد مَا كَانَ مَشْرُوعا بِأَصْلِهِ غير مَشْرُوع بوصفه. انْظُر كشف الْأَسْرَار للْبُخَارِيّ ١/٥٣٠ وَشرح الْكَوْكَب ١/٤٦٥ - ٤٦٧.
(٢) هَذِه مَسْأَلَة النَّهْي الْمُطلق عَن التَّصَرُّفَات الشَّرْعِيَّة، وَهُوَ عِنْد الْحَنَفِيَّة يَقْتَضِي قبحًا لِمَعْنى فِي غير الْمنْهِي عَنهُ لَكِن يكون مُتَّصِلا بِهِ حَتَّى يبْقى الْمنْهِي مَشْرُوعا وَلَا يدل النَّهْي على الْبطلَان كَصَوْم يَوْم الْعِيد حسن مَشْرُوع بِأَصْلِهِ وَهُوَ الْإِمْسَاك لله تَعَالَى فِي وقته فَيكون طَاعَة وقربة، وَهُوَ قَبِيح بوصفه وَهُوَ الْإِعْرَاض عَن الضِّيَافَة الْمَوْضُوعَة فِي هَذَا الْوَقْت بِالصَّوْمِ، فَلم تنْقَلب الطَّاعَة مَعْصِيّة بل هُوَ طَاعَة انْضَمَّ إِلَيْهَا وصف هُوَ مَعْصِيّة، وَلذَا ذكر بعض الْحَنَفِيَّة أَن صَوْم يَوْم الْعِيد مَكْرُوه. انْظُر أصُول الْبَزْدَوِيّ مَعَ كشف الْأَسْرَار ١/٥٥١ - ٥٦١ وكشف الْأَسْرَار للْبُخَارِيّ١/٥٢٦ - ٥٢٨ وكشف الْأَسْرَار للنسفي ١/١٤٥ - ١٤٨ وبدائع الصَّنَائِع ٢/٧٨ وَفتح الْقَدِير للكمال ابْن الْهمام ٢/٢٩٨ وَانْظُر الْمَسْأَلَة فِي الْمُسْتَصْفى ٣/٢٠٤ - ٢٠٧.
[ ٤١٥ ]
وَأَن الْإِجْزَاء والإثابة يَجْتَمِعَانِ ويفترقان١، فالإجزاء بَرَاءَة الذِّمَّة من عُهْدَة الْأَمر وَهُوَ السَّلامَة من ذمّ الرب أَو عِقَابه٢ وَالثَّوَاب الْجَزَاء على الطَّاعَة٣ وَلَيْسَ الثَّوَاب من مقتضيات مُجَرّد الِامْتِثَال، بِخِلَاف الْإِجْزَاء فَإِن الْأَمر يَقْتَضِي إِجْزَاء الْمَأْمُور بِهِ٤.
لَكِن هما مجتمعان فِي الشَّرْع إِذْ قد اسْتَقر فِيهِ أَن الْمُطِيع مثاب والعاصي معاقب.
وَقد يفترقان فَيكون الْفِعْل مجزئًا لَا ثَوَاب فِيهِ إِذا قارنه من الْمعْصِيَة مَا يُقَابل الثَّوَاب كَمَا قيل “رب صَائِم حَظه من صِيَامه الْعَطش وَرب قَائِم حَظه من قِيَامه السهر”٥.
فَإِن عمل الزُّور فِي الصّيام٦ أوجب إِثْمًا يُقَابل ثَوَاب الصَّوْم، وَقد اشْتَمَل
_________________
(١) قَالَ الزَّرْكَشِيّ فِي الْبَحْر الْمُحِيط ١/٣١٨ “الصِّحَّة لَا تَسْتَلْزِم الثَّوَاب بل يكون الْفِعْل صَحِيحا وَلَا ثَوَاب فِيهِ”.
(٢) انْظُر تَعْرِيفه فِي الْبَحْر الْمُحِيط٢/٤٠٧ و١/٣١٩ وَشرح الْكَوْكَب ١/٤٦٨ - ٤٦٩ ونثر الْوُرُود ١/٦٣ وَنِهَايَة السول ١/١٠٤.
(٣) انْظُر تَعْرِيفه فِي التعريفات للجرجاني ٧٢ والتعريفات للبركتي ٢٤٤.
(٤) هَذَا قَول عَامَّة الْفُقَهَاء والمتكلمين ومحققي الْأُصُولِيِّينَ. انْظُر التَّمْهِيد للكلوذاني ١/٣١٦ ومفتاح الْوُصُول للتلمساني ٣١ وَشرح مُخْتَصر الرَّوْضَة ٢/٣٩٩ وَالْبَحْر الْمُحِيط ٢/٤٠٦.
(٥) هَذَا حَدِيث رَوَاهُ ابْن مَاجَه ١/٥٣٩ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه ٣/٢٤٢ وبوّب لَهُ بقوله: بَاب نفي ثَوَاب الصَّوْم عَن الممسك عَن الطَّعَام وَالشرَاب مَعَ ارتكابه مَا زجر عَنهُ غير الْأكل وَالشرب” وَصَححهُ الألباني فِي صَحِيح التَّرْغِيب والترهيب ٤٥٣.
(٦) هَذِه إِشَارَة للْحَدِيث الْوَارِد فِي ذَلِك وَهُوَ قَول النَّبِي ﷺ “من لم يدع قَول الزُّور وَالْعَمَل بِهِ فَلَيْسَ لله حَاجَة فِي أَن يدع طَعَامه وَشَرَابه” رَوَاهُ البُخَارِيّ. انْظُر صَحِيحه مَعَ فتح الْبَارِي ٤/٩٣.
[ ٤١٦ ]
الصَّوْم على الِامْتِثَال الْمَأْمُور بِهِ وَالْعَمَل بالمنهي عَنهُ فبرئت الذِّمَّة للامتثال وَوَقع الحرمان للمعصية.
وَقد يكون مثابًا عَلَيْهِ غير مجزئ إِذا فعله نَاقِصا عَن الشَّرَائِط والأركان١ فيثاب على مَا فعل وَلَا تبرا الذِّمَّة إلاّ بِفِعْلِهِ كَامِلا.
وَهَذَا تَحْرِير جيد أَن فعل الْمَأْمُور بِهِ يُوجب الْبَرَاءَة فَإِن قارنه مَعْصِيّة بِقَدرِهِ تخل بِالْمَقْصُودِ قَابل الثَّوَاب.
وَإِن نقص الْمَأْمُور بِهِ أثيب وَلم تحصل الْبَرَاءَة التَّامَّة فإمَّا أَن يُعَاد وَإِمَّا أَن يجْبر وَإِمَّا أَن يَأْثَم فَتدبر هَذَا الأَصْل فَإِن الْمَأْمُور بِهِ مثل المحبوب الْمَطْلُوب إِذا لم يحصل تَاما لم يكن الْمَأْمُور بَرِيئًا من الْعهْدَة.
فنقصه إِمَّا أَن يجْبر بِجِنْسِهِ أَو بِبَدَل أَو بِإِعَادَة٢ الْفِعْل كَامِلا إِذا كَانَ مرتبطًا وَإِمَّا أَن يبْقى فِي الْعهْدَة كركوب الْمنْهِي عَنهُ.
فَالْأول٣: مثل من أخرج الزَّكَاة نَاقِصا فَإِنَّهُ يخرج التَّمام.
_________________
(١) الْأَركان جمع ركن وَهُوَ فِي اللُّغَة جَانب الشَّيْء الْأَقْوَى. انْظُر الْقَامُوس الْمُحِيط ٤/٢٢٩ وَفِي الِاصْطِلَاح: مَا لَا وجود للشَّيْء إِلَّا بِهِ أَو مَا يقوم بِهِ الشَّيْء وَكَانَ دَاخِلا فِي ماهيته. انْظُر الكليات ٤٨١ والتعريفات ١١٢.
(٢) الْإِعَادَة فِي اللُّغَة الإرجاع والتكرير. انْظُر الْقَامُوس الْمُحِيط ١/٣١٩ وَفِي الِاصْطِلَاح: فعل مثل مَا مضى فَاسِدا كَانَ الْمَاضِي أَو صَحِيحا. وَقيل: فعل الْوَاجِب فِي الْوَقْت مَعَ نوع من الْخلَل ثمَّ فعله ثَانِيًا فِيهِ انْظُر الْبَحْر الْمُحِيط ١/٣٣٣ وَنِهَايَة الْوُصُول ٢/٥٦٦.
(٣) أَي نقص الْمَأْمُور الَّذِي يجْبر بِجِنْسِهِ.
[ ٤١٧ ]
وَالثَّانِي١: مثل من ترك وَاجِبَات الْحَج فَإِنَّهُ يجْبر بِالدَّمِ٢، وَمن ترك وَاجِبَات الصَّلَاة المجبورة بِالسُّجُود٣.
وَالثَّالِث٤: مثل من ضحى بمعيبة٥ أَو أعتق معيبا٦ أَو صلى بِلَا طَهَارَة٧.
_________________
(١) أَي نقص الْمَأْمُور الَّذِي يجْبر بِبَدَل.
(٢) قَالَ شيخ الْإِسْلَام فِي شرح الْعُمْدَة ٢/٢٨٠: “ترك الْوَاجِب بِمَنْزِلَة فعل الْمَحْظُور فِي أَن كلا مِنْهُمَا ينقص النّسك وَأَنه يفْتَقر إِلَى جبران يكون خلفا عَنهُ”.
(٣) قَالَ ابْن قدامَة فِي الْكَافِي ١/١٦٠: “بَاب سُجُود السَّهْو وَإِنَّمَا يشرع لجبر خلل الصَّلَاة” وَقَالَ أَيْضا فِي الْكَافِي ١/١٦٦: “تَرَكَ وَاجِبا غير ركن سَهوا سجد للسَّهْو قبل السَّلَام لما روى عبد الله بن مَالك بن بحينه قَالَ: صلى بِنَا النَّبِي ﷺ الظّهْر فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَلم يجلس فَقَامَ النَّاس مَعَه فَلَمَّا قضى الصَّلَاة وانتظر النَّاس تَسْلِيمه كبر فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ قبل أَن يسلم” مُتَّفق عَلَيْهِ فَثَبت هَذَا بالْخبر وقسنا عَلَيْهِ سَائِر الْوَاجِبَات” والْحَدِيث الْمَذْكُور فِي النَّص رَوَاهُ البُخَارِيّ انْظُر صَحِيحه مَعَ فتح الْبَارِي ٣/٧١ - ٧٢ وَمُسلم انْظُر صَحِيحه مَعَ شرح النَّوَوِيّ ٥/٥٩ وَقَالَ الْحَافِظ فِي الْفَتْح ٣/٧١: “اخْتلف فِي حكمه فَقَالَ الشَّافِعِيَّة مسنون كُله وَعَن الْمَالِكِيَّة السُّجُود للنقص وَاجِب دون الزِّيَادَة وَعَن الْحَنَابِلَة التَّفْصِيل بَين الْوَاجِبَات غير الْأَركان فَيجب لتركها سَهوا، وَبَين السّنَن القولية فَلَا يجب، وَكَذَا يجب إِذا سَهَا بِزِيَادَة فعل أَو قَول يُبْطِلهَا عمده، وَعند الْحَنَفِيَّة وَاجِب كُله”.
(٤) أَي نقص الْمَأْمُور الَّذِي يجْبر بِإِعَادَة الْفِعْل كَامِلا.
(٥) قَالَ النَّوَوِيّ فِي الْمَجْمُوع ٧/٤٠٤: “أَجمعُوا على أَن العمياء لَا تُجزئ وَكَذَا العوراء الْبَين عورها والعرجاء الْبَين عرجها وَالْمَرِيض الْبَين مَرضهَا والعجفاء”.
(٦) قَالَ النَّوَوِيّ فِي الْمَجْمُوع ٧/٤٠٣: “من أعتق عَن كَفَّارَة معيبا يعْتق ويثاب عَلَيْهِ وَإِن كَانَ لَا يُجزئ عَن الْكَفَّارَة”.
(٧) قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح صَحِيح مُسلم ٣/١٠٢: “أَجمعت الْأمة على أَن الطَّهَارَة شَرط فِي صِحَة الصَّلَاة”.
[ ٤١٨ ]
وَالرَّابِع١: مثل من فَوت الْجُمُعَة وَالْجهَاد الْمُتَعَيّن٢.
وَإِذا حصل مُقَارنًا لمحظور يضاد بعض أَجْزَائِهِ لم يكن قد حصل كَالْوَطْءِ فِي الْإِحْرَام فَإِنَّهُ يُفْسِدهُ٣.
وَإِن لم يضاد بعض الْأَجْزَاء يكون قد اجْتمع الْمَأْمُور والمحظور كَفعل مَحْظُورَات الْإِحْرَام فِيهِ أَو فعل قَول الزُّور وَالْعَمَل بِهِ فِي الصّيام.
فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَقسَام فِي الْمَحْظُور كالمأمور:
إِذْ الْمَأْمُور بِهِ إِذا تَركه يسْتَدرك تَارَة بالجبران والتكميل وَتارَة بِالْإِعَادَةِ، وَتارَة لَا يسْتَدرك والمحظور كالمأمور إِمَّا أَن يُوجب فَسَاده فَيكون فِيهِ الْإِعَادَة أَو لَا يسْتَدرك وَإِمَّا أَن يُوجب نَقصه مَعَ الْإِجْزَاء فَيجْبر أَو لَا يجْبر.
وَإِمَّا أَن يُوجب إِثْمًا فِيهِ يُقَابل ثَوَابه.
فَالْأول٤: كإفساد الْحَج٥.
_________________
(١) أَي نقص الْمَأْمُور الَّذِي يبْقى فِي الْعهْدَة وَلَا يجْبر.
(٢) قَالَ ابْن قدامَة فِي الْمُغنِي ٨/٣٤٦ - ٣٤٧: “وَيتَعَيَّن الْجِهَاد فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع: أَحدهَا: إِذا التقى الزحفان وتقابل الصفان حرم على من حضر الِانْصِرَاف وَتعين عَلَيْهِ الْمقَام. الثَّانِي: إِذا نزل الْكفَّار بِبَلَد تعين على أَهله قِتَالهمْ ودفعهم. الثَّالِث: إِذا اسْتنْفرَ الإِمَام قوما لَزِمَهُم النفير”.
(٣) قَالَ ابْن قدامَة فِي الْمُغنِي ٣/٣٣٤: “أما فَسَاد الْحَج بِالْجِمَاعِ فِي الْفرج فَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَاف قَالَ ابْن الْمُنْذر: أجمع أهل الْعلم على أَن الْحَج لَا يفْسد بإتيان شَيْء فِي حَال الْإِحْرَام إِلَّا الْجِمَاع”.
(٤) أَي الْمَحْظُور الَّذِي يُوجب الْفساد وَيكون فِيهِ الْإِعَادَة.
(٥) قَالَ النَّوَوِيّ فِي الْمَجْمُوع ٧/٣٨٩ “يجب على مُفسد الْحَج أَو الْعمرَة الْقَضَاء بِلَا خلاف”.
[ ٤١٩ ]
وَالثَّانِي١: كإفساد الْجُمُعَة.
وَالثَّالِث٢ كَالْحَجِّ مَعَ محظوراته٣.
وَالرَّابِع٤: كَالصَّلَاةِ مَعَ مُرُور الْمُصَلِّي٥ أَمَامه٦.
وَالْخَامِس٧: كَالصَّوْمِ مَعَ قَول الزُّور وَالْعَمَل بِهِ٨
فَهَذِهِ الْمسَائِل مَسْأَلَة الْفِعْل الْوَاحِد وَالْفَاعِل الْوَاحِد وَالْعين الْوَاحِدَة هَل يجْتَمع فِيهِ أَن يكون مَحْمُودًا مذمومًا، مرضيًا مسخوطًا، محبوبًا مبغضًا، مثابًا معاقبًا، متلذذًا متألمًا؟ يشبه بَعْضهَا بَعْضًا والاجتماع مُمكن من وَجْهَيْن، لَكِن من وَجه وَاحِد مُتَعَذر، وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ
_________________
(١) أَي الْمَحْظُور الَّذِي يُوجب الْفساد وَلَا يسْتَدرك.
(٢) أَي الْمَحْظُور الَّذِي يُوجب النَّقْص مَعَ الْإِجْزَاء وَيجْبر.
(٣) قَالَ ابْن قدامَة فِي الْمُغنِي ٣/٤٩٢: “على الْمحرم فديَة إِذا حلق رَأسه وَلَا خلاف فِي ذَلِك قَالَ ابْن الْمُنْذر: أجمع أهل الْعلم على وجوب الْفِدْيَة على من حلق وَهُوَ محرم بِغَيْر عِلّة”
(٤) أَي الْمَحْظُور الَّذِي يُوجب النَّقْص مَعَ الْإِجْزَاء وَلَا يجْبر.
(٥) كَذَا فِي المطبوع ولعلها “مَعَ مُرُور أحد أَمَامه” أَو نَحْوهَا وَالله أعلم.
(٦) قَالَ الصَّنْعَانِيّ فِي سبل السَّلَام ١/٢٢٨ “وَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَنه لَا يقطعهَا شَيْء وتأولوا الحَدِيث بِأَن المُرَاد بِالْقطعِ نقص الْأجر لَا الْإِبْطَال، قَالُوا: - لشغل الْقلب بِهَذِهِ الْأَشْيَاء”. وَقَالَ فِي سبل السَّلَام ١/٢٣١ فِي مَسْأَلَة دفع الْمَار بَين الْمُصَلِّي وسترته: “وَقد اخْتلف فِي الْحِكْمَة الْمُقْتَضِيَة لِلْأَمْرِ بِالدفع فَقيل لدفع الْإِثْم عَن الْمَار، وَقيل لدفع الْخلَل الْوَاقِع بالمرور فِي الصَّلَاة، وَهَذَا هُوَ الْأَرْجَح لِأَن عناية الْمُصَلِّي بِصَلَاتِهِ أهم من دَفعه الْإِثْم عَن غَيره، قلت: - وَلَو قيل إِنَّه لَهما مَعًا لما بعد فَيكون لدفع الْإِثْم عَن الْمَار ولصيانة الصَّلَاة عَن النُّقْصَان من أجرهَا”.
(٧) أَي الْمَحْظُور الَّذِي يُوجب إِثْمًا فِي الْعَمَل يُقَابل ثَوَابه.
(٨) قد تقدم فِي ص ٤١٩.
[ ٤٢٠ ]
وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ١“٢.
_________________
(١) سُورَة الْبَقَرَة آيَة رقم ٢١٩. ويقصد شيخ الْإِسْلَام من إِيرَاد هَذِه الْآيَة أَنه اجْتمع فيهمَا الْأَمْرَانِ من جِهَتَيْنِ: فَمن جهةٍ فيهمَا إِثْم كَبِير فِي الدّين. وَمن جِهَة أُخْرَى فيهمَا مَنَافِع للنَّاس من جِهَة الدُّنْيَا من حَيْثُ إِن فِي الْخمر لَذَّة الشدَّة المطربة وَكَذَا بيعهَا وَالِانْتِفَاع بِثمنِهَا، وَفِي الميسر مَا كَانَ يَأْخُذهُ بَعضهم فينفقه على نَفسه أَو عِيَاله، وَلَكِن هَذِه الْمصَالح لَا توازي الْمضرَّة والمفسدة الراجحة فيهمَا لتعلقها بِالْعقلِ وَالدّين وَلِهَذَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ وَلِهَذَا كَانَت هَذِه الْآيَة ممهدة لتَحْرِيم الْخمر على الْبَتَات. انْظُر تَفْسِير ابْن كثير ١/٢٥٦
(٢) مَجْمُوع الْفَتَاوَى ١٩/٢٩٦ - ٣٠٥.
[ ٤٢١ ]