صِفَاته الخِلْقية:
كَانَ الشَّيْخ أَبيض، أسود الرَّأْس واللحية، قَلِيل الشيب، شعره إِلَى شحمة أُذُنه كَأَن عَيْنَيْهِ لسانان ناطقان، تلوح نَضرة النَّعيم على وَجهه، ربعَة من الرِّجَال، بعيد مَا بَين الْمَنْكِبَيْنِ، جَهورِي الصَّوْت.
صِفَاته الخُلُقِيَّة:
كَانَ سَمحا كَرِيمًا بطبعه لَا يتصنع ذَلِك، وَكَانَ لَا يرد من سَأَلَهُ شَيْئا، وَكَانَ حَلِيمًا كثير الْعَفو عمَّن آذاه حَتَّى قَالَ “فَلَا أحب أَن ينتصر من أحد بِسَبَب كذبه عَليّ أَو ظلمه أَو عدوانه فَإِنِّي قد أحللت كل مُسلم وَأَنا أحب الْخَيْر لكل الْمُسلمين وَأُرِيد بِكُل مُؤمن من الْخَيْر مَا أحبه لنَفْسي، وَالَّذين كذبُوا أَو ظلمُوا فهم فِي حل من جهتي”
فقد كَانَ حَلِيمًا رَفِيقًا محبًا للخير لَا يروم انتقامًا بل يعْفُو عَن مخالفه وَإِن ظلمه.
واسمع لَهُ ﵀ وَهُوَ يتحدث عَن مُخَالف لَهُ ناله من شَره الشَّيْء الْكثير، حَيْثُ يَقُول: “وَأَنا وَالله من أعظم النَّاس معاونة على إطفاء كل شَرّ فِيهَا وَفِي غَيرهَا، وَإِقَامَة كل خير، وَابْن مخلوف لَو عمل مهما عمل وَالله مَا أقدر على خير إِلَّا وأعمله مَعَه، وَلَا أعين عَلَيْهِ عدوه قطّ، وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، هَذِه نيتي وعزمي، مَعَ علمي بِجَمِيعِ الْأُمُور فَإِنِّي أعلم أَن الشَّيْطَان ينزغ بَين الْمُؤمنِينَ، وَلنْ أكون عونًا للشَّيْطَان على إخْوَانِي الْمُسلمين” ١.
وَقَالَ أَيْضا “لَيْسَ غرضي فِي إِيذَاء أحد، وَلَا الانتقام مِنْهُ، وَلَا مؤاخذته، وَأَنا عافٍ عَمَّن ظَلَمَنِي” ٢.
_________________
(١) مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٣/٢٧١.
(٢) مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٣/٢٦٦.
[ ٣٦٧ ]
وَكَانَ ﵀ صبورًا على من يكلمهُ، عادلًا فِي مُخَاطبَة مخالفيه، مُتبعا السّنة فِي مُعَاملَة وُلَاة الْأُمُور يَقُول ﵀ “النَّاس يعلمُونَ أَنِّي من أطول النَّاس روحًا وصبرًا على مُرِّ الْكَلَام، وَأعظم النَّاس عدلا فِي المخاطبة لأَقل النَّاس، داعٍ لولاة الْأُمُور”١.
وَكَانَ شجاعًا من أَشْجَع النَّاس وَأَقْوَاهُمْ قلبًا، مَا رأى النَّاس فِي عصره أحدا أثبت جأشًا مِنْهُ، وَلَا أعظم عناءً فِي جِهَاد الْعَدو وَكَانَ لَا يتْرك سَبِيلا من سبل الْجِهَاد إلاّ ولجه فَجَاهد بِقَلْبِه، وَلسَانه، وَيَده.
وَكَانَ ﵀ شَدِيد التَّمَسُّك بِدِينِهِ، مقدما حُرِّيَّته وَنَفسه وَمَاله فِي سَبِيل ذَلِك وَكَانَ لَا يُبَالِي بِمَا يلاقيه فِي سَبِيل الله شجاعًا فِي الْحق، مطمئن الْقلب، واثقًا بوعد الرب ﷾ يَقُول ﵀ “أَنا عَليّ أَي شَيْء أَخَاف إِن قتلت كنت من أفضل الشُّهَدَاء وَكَانَ عَليّ الرَّحْمَة والرضوان إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَكَانَ على من قتلني اللَّعْنَة الدائمة فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَاب فِي الْآخِرَة، ليعلم كل من يُؤمن بِاللَّه وَرَسُوله أَنِّي إِن قتلت لأجل دين الله، وَإِن حبست فالحبس فِي حَقي من أعظم نعم الله عَليّ، وَوَاللَّه مَا أُطِيق أَن أشكر نعْمَة الله عَليّ فِي هَذَا الْحَبْس، وَلَيْسَ لي مَا أَخَاف النَّاس عَلَيْهِ لَا أقطاعي، وَلَا مدرستي، وَلَا مَالِي، وَلَا رياستي، وجاهي”٢.
وَكَانَ ﵀ حَرِيصًا على وحدة الْمُسلمين، وتأليف قُلُوبهم، والتقريب بَينهم وَإِزَالَة الوحشة الَّتِي تقع فِي قُلُوب الْمُخْتَلِفين، باذلًا فِي ذَلِك غَايَة طاقته، ومستفرغًا تَمام جهده يَقُول ﵀: “وَالنَّاس يعلمُونَ أَنه كَانَ بَين الحنبلية والأشعرية وَحْشَة ومنافرة، وَأَنا كنت من أعظم النَّاس تأليفًا لقلوب الْمُسلمين، وطلبًا لِاتِّفَاق كلمتهم، واتباعًا لما أمرنَا بِهِ من الِاعْتِصَام بِحَبل الله،
_________________
(١) مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٣/٢٥١.
(٢) مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٣/٢١٥ - ٢١٦.
[ ٣٦٨ ]
وَإِزَالَة عَامَّة مَا كَانَ فِي النُّفُوس من الوحشة وبينت لَهُم أَن الْأَشْعَرِيّ كَانَ من أجل الْمُتَكَلِّمين المنتسبين إِلَى الإِمَام أَحْمد ﵀ وَنَحْوه، المنتصرين لطريقته كَمَا يذكر الْأَشْعَرِيّ فِي كتبه١ وَلما أظهرت كَلَام الْأَشْعَرِيّ وَرَآهُ الحنبلية قَالُوا هَذَا خير من كَلَام الْمُوفق، وَفَرح الْمُسلمُونَ بِاتِّفَاق الْكَلِمَة”٢.
وَكَانَ ﵀ يُخَاطب النَّاس بِالَّتِي هِيَ أحسن، ويلين الْكَلَام للخصوم، إِلَّا فِي المواطن الَّتِي تَأمر فِيهَا الشَّرِيعَة بالإغلاظ قَالَ ﵀: “مَا ذكرْتُمْ من لين الْكَلَام والمخاطبة بِالَّتِي هِيَ أحسن، فَأنْتم تعلمُونَ أَنِّي من أَكثر النَّاس اسْتِعْمَالا لهَذَا، لَكِن كل شَيْء فِي مَوْضِعه حسن، وَحَيْثُ أَمر الله وَرَسُوله بالإغلاظ على الْمُتَكَلّم لبغيه، وعدوانه على الْكتاب، وَالسّنة فَنحْن مأمورون بمقابلته، وَلم نَكُنْ مأمورين أَن نخاطبه بِالَّتِي هِيَ أحسن”٣.
صِفَاته العلمية:
كَانَ ﵀ شَدِيد التَّمَسُّك بالأثر مُعظما لَهُ، وَمن أَشد النَّاس تَعْظِيمًا لرَسُول الله ﷺ، حَرِيصًا على اتِّبَاعه، باذلًا كل مَا يملكهُ فِي نصر مَا جَاءَ بِهِ، فَبنى علمه على نُصُوص الْكتاب، وَالسّنة، ونصوص سلف الْأمة، وَكَانَ فِي تأليفه ومناظراته مستحضرًا للأدلة من الْكتاب وَالسّنة، كَأَن الْكتاب وَالسّنة نصب عَيْنَيْهِ، وعَلى طرف لِسَانه، قَالَ عَنهُ الذَّهَبِيّ: “برع فِي
_________________
(١) وَهَذَا فِي المرحلة الثَّالِثَة من مراحل أبي الْحسن ﵀ حَيْثُ كَانَ ﵀ أَولا معتزليًا، ثمَّ ترك الاعتزال وَأَنْشَأَ مذهبا خَاصّا بِهِ، وَإِلَيْهِ ينتسب الأشاعرة من بعده إِلَى الْيَوْم، ثمَّ هداه الله إِلَى مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَقد أعلن تَوْبَته على الْمِنْبَر، وصنف فِي عقيدته الْأَخِيرَة كتبا من أشهرها كِتَابه الْإِبَانَة. انْظُر سير أَعْلَام النبلاء ١٥/٨٥.
(٢) مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٣/٢٢٧ - ٢٢٩.
(٣) مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٣/٢٣٢.
[ ٣٦٩ ]
تَفْسِير القرءان، وغاص فِي دَقِيق مَعَانِيه، بطبع سيال وخاطر إِلَى مواقع الْإِشْكَال ميال، واستنبط مِنْهُ أَشْيَاء لم يسْبق إِلَيْهَا، وبرع فِي الحَدِيث وَحفظه، فَقل من يحفظ مَا يحفظه معزوًا إِلَى أُصُوله، وصحابته مَعَ شدَّة استحضار لَهُ وَقت إِقَامَة الدَّلِيل، وفَاق النَّاس فِي معرفَة الْفِقْه، وَاخْتِلَاف الْمذَاهب، وفتاوى الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ بِحَيْثُ إِنَّه إِذا أفتى لم يلْتَزم بِمذهب بل بِمَا يقوم دَلِيله عِنْده، وأتقن الْعَرَبيَّة أصولًا، وفروعًا وتعليلًا، واختلافًا، وَنظر فِي العقليات وَعرف أَقْوَال الْمُتَكَلِّمين، ورد عَلَيْهِم، وَنبهَ على أخطائهم، وحذر مِنْهُم، وَنصر السّنة بأوضح حجج وأبهر براهين”.
وَكَانَ ﵀ متواضعًا فِي تَعْلِيمه للنَّاس، يجلس تَحت كرسيه ويدع صدر الْمجْلس عِنْد جُلُوسه للتدريس، وَيجْرِي فِي درسه مجْرى السَّيْل، وَيصير مُنْذُ يتَكَلَّم إِلَى أَن يفرغ كالغائب عَن الْحَاضِرين مغمضًا عينه من غير تعجرف، وَلَا توقف، وَلَا لحن، وَإِذا فرغ من درسه فتح عَيْنَيْهِ، وَأَقْبل على النَّاس بِوَجْه طلق بشوش، وَخلق دمث، كَأَنَّهُ قد لَقِيَهُمْ حِينَئِذٍ.
وَكَانَ لَا يسأم مِمَّن يستفتيه، أَو يسْأَله، وَيقف مَعَه حَتَّى يكون هُوَ الَّذِي يُفَارِقهُ كَبِيرا أَو صَغِيرا، رجلا، أَو امْرَأَة، حرا، أَو عبدا، ويجيب السَّائِل ويفهمه بلطف وانبساط.
وَكَانَ ﵀ عَالما متعمقًا فِي علمه، متبصرًا بِالسنةِ، ذابًا عَنْهَا، مُحَاربًا لمخالفتها شَدِيد الاهتمام بِالْعلمِ بِمَا ينْهَى عَنهُ من الْمُنْكَرَات، تأصيلًا، وتفريعًا حَتَّى يَقُول ﵀: “أَنا أعلم كل بِدعَة حدثت فِي الْإِسْلَام، وَأول من ابتدعها، وَمَا كَانَ سَبَب ابتداعها”١.
وَكَانَ يَدْعُو إِلَى ذَلِك، ويحض عَلَيْهِ، وَينْهى عَن أَن يقدم الْإِنْسَان على
_________________
(١) مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٣/١٨٤.
[ ٣٧٠ ]
إِنْكَار شَيْء بِلَا حجَّة وَلَا علم يَقُول ﵀: “وَمِمَّا يجب أَن يعلم أَن الَّذِي يُرِيد أَن يُنكر على النَّاس لَيْسَ لَهُ أَن يُنكر إِلَّا بِحجَّة وَبَيَان، إِذْ لَيْسَ لأحد أَن يلْزم أحدا بِشَيْء، وَلَا يحظر على أحد شَيْئا بِلَا حجَّة خَاصَّة، إِلَّا رَسُول الله ﷺ الْمبلغ عَن الله الَّذِي أوجب على الْخلق طَاعَته، فِيمَا أَدْرَكته عُقُولهمْ، وَمَا لم تُدْرِكهُ، وَخَبره مُصدق فِيمَا علمناه وَمَا لم نعلمهُ، أما غَيره إِذا قَالَ هَذَا صَوَاب أَو خطأ فَإِن لم يبين ذَلِك بِمَا يجب بِهِ اتِّبَاعه [لم يجب اتِّبَاعه] ١، فَأول دَرَجَات الْإِنْكَار أَن يكون الْمُنكر عَالما بِمَا يُنكره فَلَيْسَ لأحد من خلق الله كَائِنا من كَانَ أَن يبطل قولا أَو يحرم فعلا إِلَّا بسُلْطَان الْحجَّة”٢.
وَلم يكن ﵀ دَاعيا إِلَى مَذْهَب أحد من النَّاس فِي أصُول الدّين، بل كَانَ منافحًا عَن مَنْهَج السّلف دَاعيا إِلَيْهِ ومنتصرًا لَهُ، وَكَانَ يَقُول: “كلما كَانَ عهد الْإِنْسَان بالسلف أقرب كَانَ أعلم بالمعقول وَالْمَنْقُول”٣ وَيَقُول ﵀: “مَعَ أَنِّي فِي عمري إِلَى سَاعَتِي هَذِه لم أدع أحدا قطّ فِي أصُول الدّين إِلَى مَذْهَب حنبلي وَغير حنبلي، وَلَا انتصرت لذَلِك، وَلَا أذكرهُ فِي كَلَامي، وَلَا أذكر إِلَّا مَا اتّفق عَلَيْهِ سلف الْأمة وأئمتها، وَقد قلت لَهُم غير مرَّة أَنا أمْهل من يخالفني ثَلَاث سِنِين إِن جَاءَ بِحرف وَاحِد عَن أحد من أَئِمَّة الْقُرُون الثَّلَاثَة يُخَالف مَا قلته فَأَنا أقرّ بذلك، وَأما مَا أذكرهُ فأذكره عَن أَئِمَّة الْقُرُون الثَّلَاثَة بألفاظهم وألفاظ من نقل إِجْمَاعهم من عَامَّة الطوائف”٤.
وَكَانَ ﵀ مُتبعا للنصوص ومنهج السّلف الصَّالح رضوَان الله عَلَيْهِم
_________________
(١) مَا بَين القوسين زِيَادَة من الباحث ليستقيم الْكَلَام.
(٢) مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٣/٢٥٤.
(٣) مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٣/٢٢٨.
(٤) مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٣/٢٢٩.
[ ٣٧١ ]
فِي نِسْبَة معِين إِلَى تَكْفِير أَو تفسيق، ناهيًا عَن التسرع فِي ذَلِك، مطالبًا بالتثبت فِي ذَلِك وَاتِّبَاع الشُّرُوط الشَّرْعِيَّة فِيهِ يَقُول ﵀ “إِنِّي دَائِما وَمن جالسني يعلم ذَلِك مني أَنِّي من أعظم النَّاس نهيا عَن أَن ينْسب معِين إِلَى تَكْفِير، وتفسيق، ومعصية، إِلَّا إِذا علم أَنه قد قَامَت عَلَيْهِ الْحجَّة الرسالية الَّتِي من خالفها كَانَ كَافِرًا تَارَة، وفاسقًا أُخْرَى، وعاصيًا أُخْرَى، وَأَنِّي أقرر أَن الله غفر لهَذِهِ الْأمة خطأها، وَذَلِكَ يعم الْخَطَأ فِي الْمسَائِل الخبرية القولية، والمسائل العملية”١.
وَكَانَ ﵀ ذَا علم متبحر، مستظهرًا لأقوال السّلف الصَّالح رضوَان الله عَلَيْهِم والأدلة النقلية، والعقلية، وَهَذَا ظَاهر بَيِّن تَمام الْبَيَان فِي مَجْمُوع الْفَتَاوَى، وَمن ذَلِك أَنه ﵀ سُئِلَ عَن رجلَيْنِ تجادلا فِي الأحرف الَّتِي أنزلهَا الله على آدم، فَقَالَ أَحدهمَا: إِنَّهَا قديمَة، لَيْسَ لَهَا مُبْتَدأ، وشكلها ونقطها مُحدث، وَقَالَ الآخر: لَيست بِكَلَام الله، وَهِي مخلوقة، بشكلها، ونقطها، وَالْقَدِيم هُوَ الله وَكَلَامه مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يعود منزل غير مَخْلُوق وَلكنه كتب بهَا وسألا أَيهمَا أصوب قولا وَأَصَح اعتقادًا؟
فَأجَاب ﵀ عَن هَذِه الْمَسْأَلَة من صفحة ٣٧ إِلَى نِهَايَة صفحة ١١٦ من المجلد الثَّانِي عشر من مَجْمُوع الْفَتَاوَى، وَتكلم عَن الْمَسْأَلَة تأصيلًا، وتقعيدًا، وتفريعًا وتدليلًا، وَنقل أَقْوَال سلف الْأمة وأئمتها بنصوصهم، حَتَّى يخيل للقارئ أَن شيخ الْإِسْلَام قد قضى فِي تحريرها أَيَّامًا عديدة، وراجع مئات الْكتب، وَإِذا بِهِ ﵀ يَقُول فِي آخر الْجَواب “وَلَكِن هَذَا الْجَواب كتب وَصَاحبه مستوفز فِي قعدة وَاحِدَة” ٢.
وَسُئِلَ فِي سُؤال آخر عَن قوم يَقُولُونَ “كَلَام النَّاس وَغَيرهم قديم وَلَا فرق بَين كَلَام الله وَكَلَامهم فِي الْقدَم إِلَّا من جِهَة الثَّوَاب، وَقَالَ قوم مِنْهُم بل
_________________
(١) مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٣/٢٢٩.
(٢) مَجْمُوع الْفَتَاوَى ١٢/١١٦.
[ ٣٧٢ ]
أَكْثَرهم أصوات الْحمير وَالْكلاب كَذَلِك، وَلما قرئَ عَلَيْهِم مَا نقل عَن الإِمَام أَحْمد ردا على قَوْلهم، تأولوا ذَلِك وَقَالُوا: إِن أَحْمد إِنَّمَا قَالَ ذَلِك خوفًا من النَّاس، فَهَل هَؤُلَاءِ مصيبون أَو مخطئون؟ وَهل يكفرون بالإصرار على ذَلِك أم لَا؟ وَهل الَّذِي نقل عَن الإِمَام أَحْمد حق كَمَا زَعَمُوا أم لَا؟
فَأجَاب ﵀ عَن هَذِه الْمَسْأَلَة من صفحة ٣٢٣ إِلَى صفحة ٥٠١ من المجلد الثَّانِي عشر بِنَفس منهجه فِي الْمَسْأَلَة السَّابِقَة، مَعَ ذكر الْمسَائِل المرتبطة بالسؤال، بترتيب عَجِيب وتتابع دَقِيق، ودقة فِي النَّقْل، وكل هَذَا فِي جلْسَة وَاحِدَة وَصَاحب الْفَتْوَى جَالس عِنْده عجلَان حَيْثُ قَالَ ﵀ “لَكِن هَذَا الْموضع فِيهِ اشْتِبَاه وإشكال، لَا تحْتَمل تحريره وَبسطه هَذِه الْفَتْوَى، لِأَن صَاحبهَا مستوفز عجلَان يُرِيد أَخذهَا” ١.
وَهَذَا تَمْثِيل فَقَط وَقَلِيل من كثير وغيض من فيض من الْمسَائِل الْمَعْرُوفَة عَن الشَّيْخ الَّتِي تدل على غزارة علمه وتمكنه من الْعُلُوم، واستحضاره للدلائل، ودقة نَقله، وَشدَّة حفظه لما أثر عَن السّلف فِي الْعُلُوم.
_________________
(١) مَجْمُوع الْفَتَاوَى ١٢/٤١٦.
[ ٣٧٣ ]