الْكَلَام فِي مقامين:
فِي الْإِمْكَان الْعقلِيّ.
وَفِي الْإِجْزَاء٤ الشَّرْعِيّ.
وَالنَّاس فِيهَا على أَرْبَعَة أَقْوَال: ٥
١ - مِنْهُم من يَقُول: يمْتَنع عقلا وَيبْطل شرعا.٦
_________________
(١) سَيَأْتِي تَعْرِيفه إِن شَاءَ الله عِنْد كَلَام شيخ الْإِسْلَام على مَعْنَاهُ ص٤١٦.
(٢) نقل هَذِه الْأَقْوَال عَن شيخ الْإِسْلَام الزَّرْكَشِيّ فِي الْبَحْر الْمُحِيط ١/٢٦٥.
(٣) أَشَارَ إِلَى هَذَا الْغَزالِيّ فِي الْمُسْتَصْفى ١/٢٩٥ حَيْثُ قَالَ: “وَمن أبطل أَخذ من التضاد الَّذِي بَين الْقرْبَة وَالْمَعْصِيَة وَيَدعِي كَون ذَلِك محالًا بِدَلِيل الْعقل” وَنقل الزَّرْكَشِيّ عَنهُ فِي الْبَحْر الْمُحِيط ١/٢٦٥ أَنه قَالَ “وَمن أبطل أَخذه من التضاد الَّذِي بَين الْقرْبَة وَالْمَعْصِيَة وَيَدعِي استحالته عقلا”.
[ ٤٠٢ ]
وَهُوَ قَول طَائِفَة من متكلمي أَصْحَابنَا وفقهائهم.
٢ - وَمِنْهُم من يَقُول: - يجوز عقلا لَكِن الْمَانِع سَمْعِي.
وَهَذَا قد يَقُوله أَيْضا من لَا يرى الْإِجْزَاء من أَصْحَابنَا، وَمن وافقهم، وَهُوَ أشبه عِنْدِي بقول أَحْمد فَإِن أُصُوله تَقْتَضِي أَنه يجوز وُرُود التَّعَبُّد بذلك كُله، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يشبه أصُول السّنة وأئمة الْفِقْه١.
٣ - وَمِنْهُم من يجوزه عقلا وسمعًا كأكثر الْفُقَهَاء٢.
٤ - وَمِنْهُم من يمنعهُ عقلا لَكِن يَقُول ورد سمعا.
وَهَذَا قَول ابْن الباقلاني وَأبي الْحسن٣ وَابْن الْخَطِيب
زَعَمُوا أَن الْعقل يمْنَع كَون الْفِعْل الْوَاحِد مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ، وَلَكِن لما
_________________
(١) وَهُوَ قَول أَكثر أَصْحَاب أَحْمد والظاهرية والزيدية وَهُوَ رِوَايَة عَن مَالك وَوجه لأَصْحَاب الشَّافِعِي، انْظُر شرح الْكَوْكَب ١/٣٩١.
(٢) وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَرِوَايَة عَن أَحْمد اخْتَارَهَا بعض أَصْحَابه وَهُوَ مَذْهَب الْحَنَفِيَّة. انْظُر شرح الْكَوْكَب ١/٣٩٥ وتيسير التَّحْرِير ٢/٢١٩ وَالْعدة ٢/٤٤٢ وكشف الْأَسْرَار للْبُخَارِيّ ١/٥٦٦ والوصول إِلَى الْأُصُول ١/١٨٩ والبرهان ١/١٩٩ وبذل النّظر ١٥٠ - ١٥٦ وَجمع الْجَوَامِع مَعَ حَاشِيَة الْعَطَّار ١/٥٠١ وَبَيَان الْمُخْتَصر ١/٣٧٩ وَالْبَحْر الْمُحِيط ١/٢٦٢.
(٣) هُوَ عَليّ بن أبي عَليّ بن مُحَمَّد بن سَالم التغلبي، الْآمِدِيّ، الْحَنْبَلِيّ، ثمَّ الشَّافِعِي، سيف الدّين، ولد سنة ٥٥١هـ بآمد ديار بكر وَكَانَ فَقِيها ً أصوليًا متكلمًا منطقيًا، أَقَامَ بِبَغْدَاد ثمَّ انْتقل إِلَى الشَّام ثمَّ إِلَى مصر من مصنفاته إحكام الْأَحْكَام توفّي بِدِمَشْق سنة ٦٣١ هـ وَدفن بجبل قاسيون. انْظُر تَرْجَمته فِي سير أَعْلَام النبلاء ١٢/٢١١ وطبقات الشَّافِعِيَّة للأسنوي ١/٧٣.
[ ٤٠٣ ]
دلّ السّمع إِمَّا الْإِجْمَاع١ أَو غَيره على عدم وجوب٢ الْقَضَاء٣ قَالُوا: حصل الْإِجْزَاء عِنْده لَا بِهِ٤
وَهَذَا القَوْل عِنْدِي أفسد الْأَقْوَال”٥.٦
_________________
(١) الْإِجْمَاع فِي اللُّغَة الِاتِّفَاق والإحكام والعزيمة على الشَّيْء وَأَن يجْتَمع الشَّيْء المتفرق جَمِيعًا. انْظُر الْقَامُوس الْمُحِيط ٣/١٥ وتهذيب الْأَسْمَاء واللغات ٣/٥٥ وَفِي الِاصْطِلَاح: اتِّفَاق مجتهدي أمة مُحَمَّد ﷺ بعد وَفَاته فِي حَادِثَة على أَمر من الْأُمُور فِي عصر من الْأَعْصَار انْظُر الْبَحْر الْمُحِيط ٤/٤٣٦.
(٢) الْوُجُوب فِي اللُّغَة اللُّزُوم والسقوط انْظُر الْقَامُوس الْمُحِيط ١/١٣٦ ومختار الصِّحَاح ٧٠٩. وَفِي الِاصْطِلَاح عُرِّف بِمَعْنى الْإِيجَاب الْمُتَقَدّم وَيُطلق تَارَة بِمَعْنى الثُّبُوت فِي الذِّمَّة بِمَعْنى لُزُوم الْإِتْيَان بِالْفِعْلِ وَهُوَ شَائِع فِي إِطْلَاق الْفُقَهَاء وَتارَة بِمَعْنى وجوب الْأَدَاء وَهُوَ اصْطِلَاح الْمُتَكَلِّمين. انْظُر الْبَحْر الْمُحِيط ١/١٧٩ - ١٨٠
(٣) القضاءفي اللُّغَة إِكْمَال الشَّيْء وإتمامه. انْظُر لِسَان الْعَرَب ٥/٣٦٦٥ والمعجم الْوَسِيط ٢/٧٤٢ - ٧٤٣. وَفِي الِاصْطِلَاح إِيقَاع الْعِبَادَة بعد وَقتهَا الْمعِين لَهَا شرعا. انْظُر تقريب الْوُصُول ٢٣١.
(٤) انْظُر الْمَحْصُول ١/٣٤٤ والإحكام للآمدي ١/١١٥ وَالتَّلْخِيص رِسَالَة جامعية ١/٤٢٠ وَشرح الْكَوْكَب ١/٣٩٣ والمستصفى ١/٢٥٣ - ٢٥٤ والوصول إِلَى الْأُصُول ١/١٨٩ و١٩٢ والبرهان ١/٢٠٠ وَشرح مُخْتَصر الرَّوْضَة ١/٣٦٣ وَبَيَان الْمُخْتَصر ١/٣٧٩ وَالْبَحْر الْمُحِيط ١/٢٦٢.
(٥) قَالَ السَّمْعَانِيّ فِي القواطع ١/٢٤٩: “نقل بعض الْمُتَأَخِّرين من أَصْحَابنَا عَن القَاضِي أبي بكر الباقلاني كلَاما غير مَفْهُوم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَهُوَ أَن صَلَاة الْإِنْسَان فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة لَا تقع مَأْمُورا بهَا وَلَكِن يسْقط الْأَمر بِالصَّلَاةِ عِنْدهَا كَمَا يسْقط الْأَمر بأعذار تطرأ من الْجُنُون وَغَيره، وَهَذَا هذيان فأعرضنا عَنهُ”. وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَان ١/٢٠١: “وَهَذَا حائد عِنْدِي عَن التَّحْصِيل غير لَائِق بِمنْصب هَذَا الرجل الخطير”.
(٦) مَجْمُوع الْفَتَاوَى ١٩/٢٩٥ - ٢٩٦.
[ ٤٠٤ ]