يمثل علم الأصول في الثقافة الإسلامية منطق الاستدلال، ومنهج البحث والاستنباط في الشريعة، ولهذا العلم جوانب لغوية فلسفية في لسان العرب وأوضاعه ودلالاته، مما جعله بحق فلسفة للفقه الإسلامي ومنطقا له.
ولا غرو بعد هذا أن يأتي الشيخ مصطفي عبد الرازق (ت ١٣٦٦ هـ - ١٩٤٧ م) فيعتبر (الأصول) من أهم مجالات الفكر الفلسفي الإسلامي، الذي بدت فيه أصالة هذا الفكر وإبداعه واستقلاله.
هذا، وقد ألف فيه الإمام الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) رسالته المشهورة، ثم تتابع فيه التصنيف إلى يومنا هذا.
ومن أمهات هذا العلم ما ألفه فيه الإمام أحمد بن علي أبو بكر الجصاص (٣٠٥/ ٣٧٠ هـ) وما صنفه أبو زيد الدبوسي عبيد الله بن عمر، (ت ٤٣٠ هـ)، وكتاب (البرهان) لإمام الحرمين الجويني (ت ٤٧٨ هـ) الذي نُعْنى منذ عدة سنوات بتحقيقه، وسيصدر قريبا للناس بإذن الله، وكتاب فخر الإسلام علي بن محمد بن الحسين البزدوي (ت ٤٨٢ هـ)، وكتاب (المستصفي) للغزالي (ت ٥٥٥ هـ) وكتاب الآمدي (ت ٦٣١ هـ)، و(منهاج الوصول إلى علم الأصول) للقاضي البيضاوي (ت ٦٨٥ هـ) وكتاب (الموافقات) للشاطبي (ت ٧٩٠ هـ) الذي نحا فيه مؤلفه نحوا من الإبداع
[ ٧ ]
لم يسبق إليه، وسلك فيه منهجا بين فيه حكمة الشريعة، ومقاصدها الجليلة.
ومن الذين ألفوا في هذا العلم من الجزائريين الإمام الأصولي الشريف محمد بن أحمد التلمساني (٧١٠ - ٧٧١ هـ) الذي وصلنا كتابه (مفتاح الأصول في ابتناء الفروع على الأصول (١» الذي اشتهر بين علماء إفريقيا الشمالية، وإفريقيا الغربية وفقهائها إلى يومنا هذا.
وكان زعيم الإصلاح في بلادنا الإمام ابن باديس يتولى تدريس هذا العلم خلال نصوص هذا الكتاب ويعلق (٢) عليه، ويناقشه مع تلامذه.
وأمام القارئ الكريم رسالة هامة من رسائل الإمام ابن باديس في علم الأصول، إتصل نشاطه العلمي فيها بنشاط أسلافه من القدماء، فأحيا بها البحث العلمي، والنظر في الأصول، وفي المنهج، ولم يكتفي بالفروع كما هو ديدن الفقهاء المتأخرين الذين اقتصروا على الجزئيات، ولم يلتفتوا إلى الكليات التي تنبني عليها إلا قليلا.
عثرت على هذه الرسالة عند أحد تلاميذ الإمام في مدينة قسنطينة ألا وهو الأستاذ محمد العربي بن صالح الحركاتي البنعيسي كان قد أملاها (٣) ابن باديس على تلاميذه سنة ١٣٥٦ هـ (١٩٣٨ م).
أحاط فيها صاحبها على وجازتها بأهم مطالب هذا العلم ومسائله.
_________________
(١) نشره الحاج السير أحمدو بيلو رئيس حكومة نيجيريا في ذلك العهد، باشراف الشيخ أبي بكر محمود قمى قاضي قضاة نيجيريا، دار الكتاب العربي، القاهرة ١٣٨٢ هـ ١٩٦٢ م، وطبع قبل هذا عدة طبعات.
(٢) لدي بعض تعليقاته على هذا الكتاب ولعلي أنشرها مع الكتاب المشار إليه.
(٣) وأود أن أشكر للأستاذ محمد العربي تكرمه بالإذن لي بنقل هذه الرسالة ونشرها.
[ ٨ ]
وأردنا بنشر هذه المخطوطة النادرة أن نحيي بها ذكرى ابن باديس الأربعين لعل همما تبعث في هذا السبيل لنشر أصول الثقافة الإسلامية، والإهتمام بهذا العلم الجوهوي من علوم المسلمين، الذي كاد ينقطع درسه في هذا القطر المجاهد من أقطار الإسلام.
ولعل الله ييسر لنا فيما يستقبل من أيامنا تحليل هذه الرسالة، وبيان مجمل ما اشتملت عليه من
مسائل هذا العلم، الذي هو أداة المجتهد في حركة التجديد، وسلاحه في تأصيل ما يعرض للمسلمين في عصرنا هذا من مشكلات تدعو للاجتهاد والجهاد.
نسأل الله أن يهييء لنا من أمرنا رشدا وأن ينير سبيلنا في كل عمل ينال رضاه.
الجزائر: الخميس ٣ جمادي الاولى عام ١٤٠٠ هـ
د. عمار طالبي.
[ ٩ ]
كِتَابُ مَبَادِئِ الأُصُولِ
إِمْلاَءُ الْأُسْتَاذِ الْعَلاَّمَةِ الْجَلِيلِ الشَّيْخُ عَبْدُ الْحَمِيدَ
بْنُ بَادِيسَ أَبْقَاهُ اللَّهُ لِنَفْعِ الْأَنَامِ (١)
* * *