المستدل لزوم أحد المتضائفين للآخر تنبيها، لا أنه مقدمة أجلي من المطلوب.
ومثاله: قول القائل: بنت الزنا حرام على الزاني، لأن بنت الزنا بنت للزاني، فكانت حرامًا، لقوله تعالى: ﴿وبناتكم﴾ ثم بين أن بنت الزنا بنت للزاني، بأن الزاني [أب لها]، ويستدل بحديث جريح حين قال للولد: من أبوك يا بوس،؟ فقال: فلان الراعي، فدل الحديث على أن الزاني يسمى ابا، وإذا كان الزاني، ابا لبنت الزنا كانت بنت الزنا بنتا للزاني، وهو المطلوب، فمثل هذا لا ينبغي أن يعد مصادرة.
هذا كله إذا كان التأليف القياسي تأليف استقامة.
أما إذا كان التأليف تأليف خلف، وهو أن تثبت المطلوب باستلزام نقيضه الكاذب، والمحال فحكمه حكم [القياس
[ ٧٨٨ ]
المستقيم] في جميع ما تقدم من مثارات الغلط، والمحال الذي ينتجه قياس الخلف بمثابة المطلوب في القياس المستقيم، فيتحرز فيه من المصادرة، ووضع ما ليس بعلة علة، وإنما يزيد قياس الخلف على القياس المستقيم بمثار واحد في مثارات الغلط وهو إهمال المتقابلات، وذلك أن قياس الخلف هو أن تثبت المطلوب بإبطال نقيضه، فإن أخذ فيه غير النقيضين فلا خلل فيه، وإلا فهو مثار الغلط.
ومثاله في العقليات: قول القائل: التعين امر عدمي، لأنه لو كان أمرًا ثبوتيا لكان له تعين آخر، وهو وجودي فيكون له تعين آخر، ويتسلسل.
فيقول الخصم: إنما يتم ذلك لو كان هذا المحال لازمًا لنقيض مطلوبك، وإنما مطلوبك أن كل تعين أمر عدمي، فنقيضها جزئية لا كلية، وإنما يلزم المحال إذا أخذت كلية.
ومثاله في الفقهيات: قول القائل: اقتناء أواني الذهب مباح، لأنه لو كان حراما لحرم بيعها ولما صح.
فيقول المخالف: إنما نقيض كونه مباحًا ألا يكون مباحًا لا أنه حرام.
فهذه مثارات الغلط المعنوية، وهي على ما ذكرته ثمانية: خمس تتعلق بالقضية، وثلاث تتعلق بالقياس.
أما التي تتعلق بالقضية: فجمع المسائل في مسألة، و"أخذ ما
[ ٧٨٩ ]
بالعرض مكان ما بالذات، والإطلاق في موضع التقييد، وإيهام العكس، وسوء اعتبار الحمل.
والتي تتعلق بالقياس: وضع ما ليس بعلة علة، والمصادرة على المطلوب، وإهمال المتقابلات، ويقال فيه: إهمال شروط التناقض، لكن أرسطو - أمام هذه الصناعة - لما ذكر المغالطات اللفظية عدها ستا، كما عددناها، ولما ذكر المغالطات المعنوية عدها سبعا، وأسقط سوء اعتبار الحمل، ولكنه زاده الإطلاق والتقييد، لأنه يأخذ اعتبارات الحمل قيودًا في الحمل، وأما أبو نصر فذكر السبع التي ذكرها ارسطو، وزاد عليها، موضع النقلة والإبدال، وهو أن ينتقل الذهن من الشيء إلى ما يقوم مقامه غلطا، وهما يفترقان في الخواص واللوزام والمقارنات والخيالات، وقد ينتقل إلى الشبيه كما يظن بالهواء أنه الخلاء، وإلى اللازم كما ينتقل من تناهي الأجسام إلى شكلها وإلى المقابل كما ينتقل من أحد المتقابلين إلى الآخر.
[ ٧٩٠ ]
وأما الخيالات فإنها تثير الغلط كثيرًا من قبل أن كثيرًا من المعقولات لا تستقر في العقل إلا مقارنة بخيالات جسمانية، فيعسر على العقل تجريد صورها الخاصة من الخيال، مثل تصورنا ما قبل العالم: بأنه امتداد زماني، وخارج العالم: بأنه خلاء أو ملاء، ومن هنا ظن بعضهم أن الأشعة والظلمات والظلال أجسام، وأنت تعلم إذا تأملت هذا الموضع أعني موضع النقلة والإبدال أنه راجع [إلى ما] بالعرض، ولذلك قال أبو علي في الشفاء حين عد هذه المواضع: انظروا معشر المتعلمين إلى هذا الرجل العظيم - يعني أرسطو، وتأملوا هل زاد أحد بعده في هذه المواضع، ما يستحق الزيادة وبينا وبينه المدة التي هي قريب من ألف وثلاثمائة وثلاثين سنة. وكان شيخنا أبو عبد الله الآبلي، يقول: إن أبا علي إنما عرض بأبي نصر حين زاد بزعمه موضع النقلة، وأقول: أما نحن فقد نبهنا على مواضع الغلط محصورة بالطريق الصناعي ممثلة تمثيلا بتقريب يؤيد الفهم.
فهذه نبذة إن أنت حققتها سهل عليك الوقوف على مثارات الغلط في الأدلة العقلية والفقهية عند الاستقراء.
[ ٧٩١ ]