أما رجم الزَّانِي أَو جلده: فَلَو كَانَ لدعاة القانون عقل واعٍ لما ذَكرُوهُ فِي هَذَا السِّيَاق ولجعلوه وَلَو مُكَابَرَة مُوجبا لِلطَّعْنِ بالضعف لَا بالقسوة لِأَنَّهُ أحيط فِي الشَّرِيعَة بِشُرُوط فِي الْإِثْبَات لَا تكَاد تُوجد إِلَّا بندرة. وَمَا يثبت فِي تَارِيخ الْإِسْلَام حد الرَّجْم إِلَّا بالاعتراف. وَفِي غَايَة من الْقلَّة والندرة يُمكن عده على الْأَصَابِع وَالِاعْتِرَاف مَحْض إِرَادَة وَاخْتِيَار ورغبة فِي التطهر من آثام الْإِثْم فَهِيَ نَزعَة دينية كَرِيمَة آثر الْآخِرَة على الدُّنْيَا.
وَلَو امْتنع من الْحُضُور إِلَى القَاضِي لما طلبه وَلَو رَجَعَ عَن إِقْرَاره لما حَده. بل يدْرَأ عَنهُ الْحَد بِالشُّبْهَةِ. وَمَعَ هَذَا فالمقارنة بَين الْعَالمين الإسلامي الَّذِي يحكم كتاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ لِأَنَّهُ دين وَبَين الْمُجْتَمع القانوني وخاصة أرعى بِلَاد الْعَالم المتحضر فِي نظر المتمدنين بل واضعوا القانون نجد الْفرق المذهل.
أَولا: فِي أمريكا أصبح معدل الجريمة كالآتي:
أ_ جريمة قتل كل دقيقة.
ب_ جريمة سَرقَة مسلحة كل دقيقة.
[ ٤٧ ]
ج_ جريمة اغتصاب كل عشْرين دقيقة.
د_ جريمة دون اغتصاب لم يجر إحصاؤها.
ثَانِيًا_ فِي ألمانيا: سجل الإحصاء جرائم الْقَتْل عَام ١٩٦٩م فَوق ألفي جريمة. فِي عَام ١٩٧١م وصلت إِلَى ثَلَاثَة آلَاف وَزِيَادَة مطردَة.
ثَالِثا_ فِي بريطانيا: سنة ١٩٧٠م سجلت الإحصائيات ٤١٠٨٨ قتل وجرائم السطو بلغت فِي عَاميْنِ نصف مليون.
رَابِعا_ فِي فرنسا: زَادَت نِسْبَة الجريمة إِلَى ٣٢هـ عَن مجلة الجامعة الإسلامية رَجَب ٩٢هـ.
هَذَا هُوَ وضع أوروبا وأمريكا أما روسيا فَلَا حَاجَة إِلَى ذكرهَا لِأَنَّهَا تعيش فِي سجن كَبِير وحياتها كلهَا جريمة.
أما الْبِلَاد الْعَرَبيَّة الَّتِي تحكم بالقانون فَلم نقف لَهَا على إحصاء وَلكنهَا لم تكن بِالْوَضْعِ الَّذِي تحمد عَلَيْهِ. بَيْنَمَا هَذِه الْبِلَاد الَّتِي أكرمها الله بِالْحَيَاةِ فِي ظلّ الشَّرِيعَة الإسلامية لم تتجاوز فِيهَا هَذِه الجرائم عدد الْأَصَابِع فِي الْعَام وأكبر دَلِيل لَهو الْوَاقِع الْمشَاهد لكل قاص وداني من مُسلم وَكَافِر وَالْفضل مَا شهِدت بِهِ الْأَعْدَاء، وبالأمس الْقَرِيب فِي جَوْلَة رَئِيس وزراء أمريكا كَانَ يطوف بجولة فِي سيارته المصفحة إِلَّا عِنْد وُصُوله المملكة تخلى عَن سيارته المصفحة وَأخذ يجوب بالأسواق والشوارع فِي ظلّ هَذَا الْأَمْن الوارف الَّذِي لم يجده فِي حَيَاته
[ ٤٨ ]
كلهَا وَلَا حَتَّى فِي بَلَده وَمحل سُلْطَانه وأمثلة ذَلِك عديدة والتاريخ الإسلامي أكبر شَاهد للْعَالم كُله على مَا نَعِمَ بِهِ الْمُسلمُونَ وَغَيرهم فِي ظلّ الْإِسْلَام وَفِي قصَّة الهرمزان مَعَ عمر لَيست خافية وكلمته الْمَشْهُورَة حِكْمَة: فعدلت فأمنت فنمتت.
وَلَعَلَّ هَذَا يكون فِيهِ شَيْء من الْأَخْبَار والإحصاء. وَلَكِن لنأخذ نُصُوص القانون: تعْتَبر القوانين الوضعية كلهَا أَن الزِّنَا حق شخصي وَلَا علاقَة لَهُ بالمجتمع فَيمْتَنع نهائيا إثارة دَعْوَى الزِّنَا إِلَّا من أحد الزَّوْجَيْنِ أَو أقرب الْمَرْأَة غير المتزوجة إِلَى الدرجَة الثَّالِثَة.
وينص القانون الْعِرَاقِيّ أَن الزَّوْج إِذا أسقط حق الْمُطَالبَة عَن زَوجته سقط حق الْمُطَالبَة أَيْضا عَن الزَّانِي وَبَعض القوانين لَا يُعْطي حق إثارة دَعْوَى الزِّنَا إِلَّا إِذا كَانَ ذَلِك على فرَاش الزَّوْجِيَّة أَو كَانَ بِالْإِكْرَاهِ. أما إِذا كَانَ بَعيدا عَن فرَاشه خَارج بَيته وَكَانَ بِرِضَاهَا يسْقط حَقه فِي ذَلِك.
وَمن هُنَا نعلم إِلَى أَي مدى تفْسد الْأَنْسَاب وتتفكك العائلة فتتقطع أواصر الروابط. فتتخلخل قَوَاعِد الْمُجْتَمع كُله.
[ ٤٩ ]