مَا كَانَ عَلَيْهِ الْوَضع زمن رَسُول الله ﷺ: وَالَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الْوَضع زمن الرَّسُول ﷺ هُوَ صُورَة من صور الْمُسلمين الْأَوَّلين فِي بساطتهم وَصدق كلمتهم وقصدهم إِلَى الْحق وَلم على أنفسهم. فَكَانُوا يعتبرون الْقَضَاء إِبْرَاء للذمة وخروجا من الْعهْدَة حَتَّى أَن أحدهم كماعز والغامدية إِذا ارْتكب حدا يَأْتِي إِلَى رَسُول الله ﷺ يطْلب إِقَامَة الْحَد عَلَيْهِ.
فَلم تكن قضايا أمثالهم تتطلب أَكثر من التشبث مِنْهُ فِي إِقْرَاره كَمَا فعل رَسُول الله ﷺ مَعَ مَاعِز: أبِكَ جُنُون؟ لَعَلَّك قبلت. لَعَلَّك فاخذت الخ.
[ ٣٣ ]
وقصة العسيف الَّذِي زنا بِامْرَأَة من يعْمل عِنْده فَأتيَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أَحدهمَا يَا رَسُول الله أقض بَيْننَا بِكِتَاب الله وَقَالَ الآخر وَهُوَ أفقههما: أجل فَاقْض بَيْننَا بِكِتَاب الله وَأذن لي فِي أَن أَتكَلّم فَقَالَ: تكلم. قَالَ: إِن ابْني كَانَ عسيفا على هَذَا فزنى بامرأته فَأخْبرت أَن على ابْني الرَّجْم، فَافْتَدَيْت مِنْهُ بِمِائَة شَاة وبجارية لي ثمَّ إِنِّي سَأَلت أهل الْعلم فَأَخْبرُونِي أَن مَا على ابْني جلد مائَة وتغريب عَام. وأخبروني إِنَّمَا الرَّجْم على امْرَأَته. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: "أما وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لأقضين بَيْنكُمَا بِكِتَاب الله. أما غنمك وجاريتك فَرد عَلَيْك وَجلد ابْنه مائَة جلدَة وغربة عَام ". وَأمر أنيس الْأَسْلَمِيّ أَن يَأْتِي امْرَأَة الآخر فَإِن اعْترفت رَجمهَا فَاعْترفت فرجمها. فَمَا كَانَا إِلَّا مستفتيان. وَقد أخبرا من قبل مجيئهما الرَّسُول ﷺ وسألا أهل الْعلم لمعْرِفَة الْحق وَفِي الْأَمْوَال كَذَلِك. كَمَا فِي حَدِيث الرجلَيْن اللَّذين اخْتَصمَا فِي مَوَارِيث بَينهمَا درست معالمهما وَلَا بَيِّنَة عِنْدهمَا فَقَالَ ﷺ أَنكُمْ تختصمون إِلَيّ فأقضي لكم على نَحْو مَا أسمع فَلَعَلَّ أحدكُم أَلحن بحجته من صَاحبه فَمن قضيت لَهُ شَيْئا من حق أَخِيه فَلَا يَأْخُذهُ فَإِنَّمَا أقطع لَهُ قِطْعَة من النَّار. فتراجع كل مِنْهُمَا وَبكى وَقَالَ: حَقي لصاحبي. فَلم يتشاحا أَو يتلاحيا وأرشدهم النَّبِي ﷺ لإكمال اللَّازِم بأنفسهما من الاقتسام والإسهام والتسامح.
[ ٣٤ ]