١٧٥ - هَذِه الْفُصُول الَّتِي ذَكرنَاهَا حَسَنَة كَثِيرَة الْفَوَائِد مَجْمُوعَة من عدَّة مصنفات يَنْبَغِي لكل من يعتني بِالْعلمِ النّظر فِيهَا والاطلاع عَلَيْهَا
١٧٦ - وَقد رَأَيْت أَن أختمها بفصل هُوَ أهمها وأجلها وأعمها نفعا وأولاها ذكرا وَهُوَ مَا اعتنى ببيانه الإِمَام أَبُو حَامِد ﵀ فِي كتاب الْإِحْيَاء من نصح أهل الْعلم وَبَيَان الْعُلُوم النافعة والتحذير من الْعُلُوم الضارة
١٧٧ - حَيْثُ قَالَ فأدلة الطَّرِيق هم الْعلمَاء الَّذين هم وَرَثَة الْأَنْبِيَاء وَقد شغر مِنْهُم الزَّمَان وَلم يبْق إِلَّا المترسمون وَقد استحوذ عَلَيْهِم الشَّيْطَان واستغواهم الطغيان وَأصْبح كل وَاحِد بعاجل حَظه مشغوفا فَصَارَ يرى الْمَعْرُوف مُنْكرا وَالْمُنكر مَعْرُوفا حَتَّى ظلّ علم الدّين مندرسا ومنار الْهدى فِي أقطار الأَرْض منطمسا
[ ٧٢ ]
وَلَقَد خيلوا إِلَى الْخلق أَنه لَا علم إِلَّا فَتْوَى حُكُومَة يَسْتَعِين بهَا الْقُضَاة على فصل الْخِصَام عِنْد تهاوش الطغام
أَو جدل يتذرع بِهِ طَالب المباهاة إِلَى الْغَلَبَة والإفحام
أَو سجع مزخرف يتَوَصَّل بِهِ الْوَاعِظ إِلَى اسْتِدْرَاج الْعَوام
إِذْ لم يرَوا مَا سوى هَذِه الثَّلَاثَة مصيدة لِلْحَرَامِ وشبكة للحطام
فَأَما علم طَرِيق الْآخِرَة وَمَا درج عَلَيْهِ السّلف الصَّالح مِمَّا سَمَّاهُ الله ﷾ فِي كِتَابه فقها وَحِكْمَة وعلما وضياء ونورا وهداية ورشدا فقد أصبح بَين الْخلق نسيا منسيا
١٧٨ - ثمَّ أثنى على علم الْمُعَامَلَة وَقَالَ هُوَ علم أَحْوَال الْقلب كالصبر وَالشُّكْر وَالْخَوْف والرجاء والرضى والزهد وَالتَّقوى والقناعة والسخاء وَحسن الْخلق والصدق وَالْإِخْلَاص وَمَا يذم كالغل والحقد والحسد والغش وَالْكبر والرياء وَالْبخل والتزين لِلْخلقِ والمداهنة والخيانة وَطول الأمل وَالْقَسْوَة وَقلة الْحيَاء وَقلة الرَّحْمَة فَهَذِهِ وأمثالها من صِفَات الْقلب مغارس الْفَوَاحِش والأخلاق المحمودة منبع الطَّاعَات
١٧٩ - إِلَى أَن قَالَ وَلَا يَنْبَغِي للْإنْسَان أَن يغتر بقول سُفْيَان تعلمنا الْعلم لغير الله فأبا أَن يكون إِلَّا لله وَكَانَ علمهمْ الْكتاب وَالسّنة
وَإِن الْعلمَاء يتعلمون لغير الله لِأَن مَا يشتغلون بِهِ غير مأمورين بِهِ وَانْظُر إِلَى أَعمار الْأَكْثَرين مِنْهُم واعتبروهم فَإِنَّهُم مَاتُوا وهم هلكى على طلب الدُّنْيَا وَلَيْسَ الْخَبَر كالمعاينة
١٨٠ - وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ دع الراغبين فِي صحبتك والتعلم مِنْك فَلَيْسَ لَك مِنْهُم مَال وَلَا جمال إخْوَان الْعَلَانِيَة أَعدَاء السِّرّ إِذا لقوك تملقوا لَك وَإِذا غبت عَنْهُم سلقوك وَمن أَتَاك مِنْهُم كَانَ عَلَيْك رقيبا وَإِذا خرج كَانَ
[ ٧٣ ]
عَلَيْك خَطِيبًا أهل نفاق ونميمة وغل وحقد وخديعة
وَلَا تغتر باجتماعهم عَلَيْك فَمَا غرضهم الْعلم بل الجاه وَالْمَال وَأَن يتخذوك سلما إِلَى أوطارهم وَحِمَارًا إِلَى حاجاتهم إِن قصرت فِي غَرَض من أغراضهم كَانُوا أَشد الْأَعْدَاء عَلَيْك ثمَّ يعدون ترددهم إِلَيْك دَالَّة عَلَيْك ويرونه حَقًا وَاجِبا عَلَيْك ويعرضون لَك أَن تبذل عرضك وَدينك وجاهك لَهُم فتعادي عدوهم وَتَنصر قريبهم وخادمهم ووليهم وتنتهض لَهُم سَفِيها وَقد كنت فَقِيها وَتَكون لَهُم تَابعا خسيسا بعد أَن كنت متبوعا رَئِيسا وَلذَلِك قيل اعتزال الْعَامَّة مُرُوءَة تَامَّة
١٨١ - وَقد رَأَيْت أَن أختمه من عِبَارَات أهل الْمعرفَة وَالتَّقوى العاملين بِالْعلمِ الَّذِي يُورث الْجوف والهيبة والخشوع والزهد فِي الدُّنْيَا
١٨٢ - روينَا عَن عبد الله بن خبيق الْأَنْطَاكِي وَهُوَ أحد السَّادة الْعباد قَالَ سَأَلت يُوسُف بن أَسْبَاط هَل مَعَ حُذَيْفَة المرعشي علم قَالَ مَعَه الْعلم الْأَكْبَر خوف الله
١٨٣ - ذكر فِي مجْلِس أَحْمد بن حَنْبَل أَمر مَعْرُوف الْكَرْخِي فَقَالَ بعض من حضر هُوَ قَلِيل الْعلم فَقَالَ أَحْمد أمسك عافاك الله وَهل يُرَاد من الْعلم إِلَّا مَا وصل إِلَيْهِ مَعْرُوف
[ ٧٤ ]
١٨٤ - وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل ذهب أبي وَيحيى بن معِين إِلَى مَعْرُوف فَقَالَ ابْن معِين إيش معنى سَجْدَتي السَّهْو فِي الصَّلَاة فَقَالَ مَعْرُوف شرعتا عُقُوبَة للقلب إِذا سَهَا وَهُوَ بَين يَدي الله فَقَالَ لَهُ أبي هَذَا من علمك هَذَا فِي كتبك أَو كتب أَصْحَابك
١٨٥ - وَقَالَ الْجُنَيْد بن مُحَمَّد أَتَدْرُونَ مَا فرض الصَّلَاة قطع العلائق وَجمع الْهم والحضور بَين يَدي الله تَعَالَى قيل لَهُ كَيفَ تدخل فِي الصَّلَاة قَالَ بإلقاء سمع وشهود قلب وَحُضُور عقل وَجمع هم وَصِحَّة تيقظ وَحسن إقبال وتدبر فِي ترتيل
١٨٦ - وَقَالَ أَبُو حَاتِم مُحَمَّد بن إِدْرِيس الرَّازِيّ دخلت دمشق على كتبة الحَدِيث فمررت بِحَلقَة قَاسم الجوعي فَرَأَيْت نَفرا جُلُوسًا حوله وَهُوَ يتَكَلَّم عَلَيْهِم فهالني مظهرهم فتقدمت إِلَيْهِم فَسَمعته يَقُول اغتنموا من أهل زمانكم خمْسا إِن حضرتم لم تعرفوا وَإِن غبتم لم تفقدوا وَإِن شهدتم لم تشاوروا وَإِن قُلْتُمْ شَيْئا لم يقبل قَوْلكُم وَإِن عملتم شَيْئا لم تعطوا بِهِ
وأوصيكم بِخمْس أَيْضا إِن ظلمتم لَا تظلموا وَإِن مدحتم لَا تفرحوا وَإِن ذممتم لَا تجزعوا وَإِن كَذبْتُمْ فَلَا تغضبوا وَإِن خانوكم لَا تخونوا قَالَ فَجعلت هَذَا فائدتي من دمشق
[ ٧٥ ]
١٨٧ - قَالَ المُصَنّف ﵀ فَهَذَا وَأَمْثَاله هُوَ ثَمَرَة علم الْعلمَاء الَّذين يُرِيدُونَ الله تَعَالَى بِطَلَب الْعلم النافع
جعلنَا الله مِنْهُم بمنه وفضله وَكَرمه ووفقنا للسلوك فِي مناهجهم برحمته وإحسانه وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَصلى الله على سيدنَا مَوْلَانَا مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ آمين
[ ٧٦ ]