تعريفه: القياس في اللغة التقدير والتسوية، تقول: قست الثوب بالذراع إذا قدرته به، وفلان يقاس بفلان، أي يسوى به.
وفي الاصطلاح هو: إلحاق فرع بأصل في حكم لجامع بينهما كإلحاق الأرز بالبر في تحريم الربا لجامع هو الكيل عند الحنابلة والاقتيات والادخار عند المالكية والطعم عند الشافعية.
إثبات القياس على منكريه
التعبد بالقياس جائز عقلا وواقع شرعًا عند الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة ﵏ واستدلوا لإثباته بأدلة كثيرة منها:
١- قوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولى الأبصار﴾ والاعتبار من العبور وهو الانتقال من شيء إلى آخر والقياس فيه انتقال بالحكم من الأصل إلى الفرع فيكون مأمورًا به.
٢- تصويب النبي ﷺ لمعاذ ﵁ حين قال: إنه يجتهد حيث لا كتاب ولا سنة فإن الاجتهاد حيث لا نص يكون بالإلحاق بالمنصوص.
٣- قوله ﷺ للخثعميه حين سألته عن الحج عن الوالدين "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ينفعه " قالت: نعم. قال: "فدين الله أحق أن يقضى" فهو تنبيه منه ﷺ على قياس دين الخلق.
٤- قوله ﷺ لعمر حين سأله عن القبلة " للصائم " أرأيت لو تمضمضت فهو قياس للقبلة على المضمضة.
[ ٤٨ ]
٥- قصة الرجل الذي ولدت امرأته غلامًا أسود. فمثل له النبي ﷺ بالإبل الحمر التي يكون الأورق من أولادها، ووجه الاستدلال من القصة: أن النبي ﷺ قاس ولد هذا الرجل المخالف للونه بولد الِإبل المخالف للونه لألوانها، وذكر العلة الجامعة وهي نزع العرق.
أركان القياس وتعريف كل ركن
ظهر لنا من تعريف القياس أنه لابد فيه من أربعة أركان هي:
١- أصل مقيس عليه، وهو المحل الذي ثبت حكمه وألحق به غيره كالخمر ثبت لها التحريم وألحق بها النبيذ.
٢- فرع ملحق بالأصل، وهو في اللغة ما تولد من غيره وانبنى عليه وفي اصطلاح الأصوليين: المحل المطلوب إلحاقه بغيره في الحكم؛ كالنبيذ طلب إلحاقه بالخمر في حكمها وهو التحريم.
٣- علة تجمع بين الأصل والفرع، وهي المعنى المشترك بين الأصل والفرع المقتضي إثبات الحكم كالإسكار المستدعى إلحاق النبيذ بالخمر في حكم التحريم.
٤- الحكم الثابت للأصل المقيس عليه؛ وهو الأمر المقصود إلحاق الفرع بالأصل فيه كالقصاص أثبت في القتل بالمثقل إلحاقًا له بالقتل بالمحدد.
شروط القياس
وللقياس شروط يجب توفرها فيه لصحته منها:
أولًا: شروط الأصل:
١- يشترط في الأصل الذي هو المقيس عليه أن يكون الحكم فيه ثابتًا بنص أو إجماع أو اتفاق الخصمين.
٢- أن لا يكون معدولًا به عن قاعدة عامة مثل بيع العرايا وشهادة خزيمة فلا يصحان أصلا يقاس عليه لأن الحكم في القياس مطرد والخارج عن القاعدة العامة ليسِ مطردًا خلافًا لمن يجيز القياس في الرخص فيجوز العرية في العنب والتين قياساَ على الرطب.
وما ذكر في هذين الشرطين بناء على القول بأن الأصل هو نفس الحكم، لا محل الحكم.
ثانيًا: شروط الفرع، ويشترط في الفرع شرطان:
١- وجود علة الأصل فيه لأنها مناط تعدية الحكم إليه.
٢- أن لا يكون منصوصًا على حكمه، فإن كان لم يحتج إلى قياسه على غيره.
ثالثًا: شروط حكم الأصلِ؛ ويشترط في حكم الأصل شرطان.
[ ٤٩ ]
١- أن يكون الفرع مساوياَ له في الأصل كقياس الأرز على البر في تحريم الربا فإن كان الحكم في الفرع أزيد منه في الأصل أو أنقص لم يصح القياس؛ كأن يكون حكم الأصل الوجوب وحكم الفرع الندب أو العكس.
٢- أن يكون شرعيًا؛ لا عقليًا فلا يثبت ذلك بالقياس لأنه يطلب فيه اليقين والقياس يفيد الظن.
رابعًا: شروط العلة؛ ويشترط في العلة شرطان:
١- أن تكون العلة متعدية فإن كانت قاصرة على محلها امتنع القياس بها لعدم تعديها إلى الفرع مثال ذلك: جعل شهادة خزيمة كشهادة رجلين لعلة سبقه إلى تصديق النبي ﷺ بنوع من التصديق لم يسبقه إليه غيره.
٢- أن تكون كالإِسكار فكلما وجد الإِسكار في شيء وجد التحريم فيه، وكالطعم والكيل فكلما وجد الكيل أو الطعم في شيء حرم الربا فيه، فإذا تخلفت فإن كان تخلفها لمانع فلا تبطل كما لوِ قيل القتل العمد العدوان علة للقصاص وقد تخلفت في قتل الوالد لولده عمداَ عدوانًا إذ أنه لا يقتل به فيقال إنها تخلفت لمانع هو الأبوة فلا تبطل في غير الأب؛ فكلما وجد القتل العمد العدوان من غير الأب ونحوه وجب القصاص.
وإن كان تخلفها من غير مانع فلا يصح التعليل بها كما لو قيل: تجب الزكاة في المواشي قياسًا على الأموال بجامع دفع حاجة الفقير فيقال إن التعليل بدفع حاجة الفقير قد تخلف عنها الحكم في الجواهر مثلا.
تقسيم القياس إلى قطعي وظني.. أو جلي وخفي
١- القياس القطعي
تعريفه: هو ما لا يحتاج معه إلى التعرض للعلة الجامعة بل يكتفي فيه بنفي الفارق المؤثر في الحكم كإلغاء الفارق بين البول في الماء الراكد والبول في إناء وصبه فيه، وهو أنواع منها.
[ ٥٠ ]
١- ما كان المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق مع القطع بنفي الفارق كإلحاق مثقال الجبل بمثقال الذرة في المؤاخذة، وإلحاق ضرب الوالدين بالتأفيف في التحريم، وإلحاق مادون القنطار وفوق الدينار بهما في التأدية من بعض أهل الكتاب إذا أؤتمن عليه في الأول والمطل من بعضهم في الثاني.
٢- ما كان المسكوت عنه مساويًا للمنطوق في الحكم مع القطع بنفي الفارق. كإلحاق إغراق مال اليتيم وإحراقه بأكله في التحريم.
٢- القياس الظني
القياس الظني هو: ما احتيج فيه إلى البحث عن العلة الجامعة كإلحاق الأرز بالبر في تحريم الربا بجامع الكيل.
فتحصل من هذا الإِلحاق طريقتان: إلحاق بنفي الفارق وإلحاق بالجامع.
تقسيم القياس باعتبار التصريح بالعلة وعدمه
ينقسم القياس بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام:
١- قياس العلة: وهو ما جمع فيه بالوصف المناسب المشتمل على المصلحة الصالحة لترتيب الحكم عليها كقياس النبيذ على الخمر بجامع الِإسكار.
٢- قياس الدلالة: وهو ما جمع فيه بين الأصل والفرع بما يدل على العلة ويرشد إليها كقياس النبيذ على الخمر بجامع الرائحة الكريهة والشدة الدالة على العلة وهي الإِسكار.
٣- قياس في معنى الأصل: وهو ما اكتفى فيه بنفي الفارق المؤثر في الحكم، وهو مفهوم الموافقة، والقياس الجلي كقياس الأمة على العبد في تقويم حصة الشريك على شريكه المعتق نصيبه.
قياس الشبه
إذا شابه الفرع أصلين مختلفين وحصل تردد بأيهما يلحق فهو قياس الشبه.
مثاله: إذا قتل العبد مثلا فهل يلحق بالحر فتكون فيه الدية، أو بالمتاع فتكون فيه القيمة، فمن جهة أنه إنسان مكلف شابه الحر، وفي الحر الدية، ومن جهة أنه يباع ويوهب ويورث شابه المتاع وفي المتاع القيمة فقد جمع بين شبهين مختلفين، شبه الحر فيوجب الدية وشبه المتاع فيوجب القيمة، ولهذا سمى قياس
[ ٥١ ]
الشبه. ثم وجدناه الصق بأحدهما في الحكم الشرعي حيث إنه يباع ويوهب ويورث بل وتضمن أجزاؤه بالقيمة فهذه كلها رجحت شبهه بالمال فلحق به في الضمان.
تقسيم العلة باعتبار مجارى الاجتهاد فيها
تنقسم العلة بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام: تحقيق العلة وتنقيحها وتخريجها.
إلا أن عادة الأصوليين جرت بإضافة هذه المصادر الثلاثة إلى أحد القاب العلة وهو المناط. والمناط مشتق من النوط وهو تعليق الشيء بشيء آخر فلذا أطلق الفقهاء المناط على متعلق الحكم وهو العلة الجامعة بين الأصل والفرع.
الأول: تحقيق المناط: وهو البحث عن وجود العلة في الفرع والاجتهاد في تحقيقها فيه بعد النص عليها أو الاتفاق عليها في ذاتها وهو قسمان:
١- أن تكون القاعدة الكلية منصوصة أو متفقًا عليها وإنما يبحث المجتهد عن تحقيقها في آحاد الصور وتطبيقها على الجزئيات، فالقاعدة الكلية مثل قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ .
والجزئي الذي حققت فيه إيجاب بقرة على من صاد وهو محرم حمارًا وحشيًا للمماثلة بينهما في نظر المجتهد، وهذا النوع متفق عليه وليس من القياس في شيء.
٢- البحث عن وجود العلة في الفرع بعد الاتفاق عليها في ذاتها كالعلم بأن السرقة هي مناط القطع فيحقق المجتهد وجودها في النباش لأخذه الكفن من حرز مثله خفية.
الثاني: تنقيح المناط: التنقيح في اللغة. التهذيب والتصفية فتنقيح المناط تهذيب العلة وتصفيتها بإلغاء ما لا يصلح للتعليل واعتبار الصالح له.
مثال ذلك قصة الأعرابي الذي جاء إلى النبي ﷺ يضرب صدره وينتف شعره وهو يقول هلكت وأهلكت واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال له النبي ﷺ: " اعتق رقبة "، الحديث.
فكونه أعرابيًا، وكون الموطوءة زوجة، وكونه جاء يضرب صدره وينتف شعره مثلا كلها أوصاف لا تصلح للتعليل فتلغى.
فلو وطيء حضري سريته في نهار رمضان وجاء بتؤدة وطمأنينة يسأل عما يجب عليه لأجيب بوجوب الكفارة.
[ ٥٢ ]
الثالث: تخريج المناط: وهو أن ينص الشارع على حكم دون علته فيستخرج المجتهد علته باجتهاده ونظره في محل الحكم.
مثال ذلك: البر نص على حكمه وهو تحريم الربا دون العلة، فرأى المجتهد بعد البحث أنها الكيل مثلا فقاس عليه الأرز ونحوه.
مسالك العلة
مسالك العلة هي طرقها الدالة عليها وهي كثيرة نذكر منها ثلاثة:
المسلك الأول: النص الصريح على العلة وهو ما يدل على التعليل بلفظ موضوع له في لغة العرب مثل "من أجل " كما في قوله تعالى: ﴿من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل﴾ الآية ومثل "إنما جعل الاستئذان من أجل البصر" ومثل "الباء "كما في قوله تعالى: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم﴾ الآية ومثل "اللام" كما في قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس﴾ الآية وقوله: ﴿وما خلقت الجن والِإنس إلا ليعبدون﴾ ومثل "كي" كما في قوله تعالى: ﴿كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾ .
المسلك الثاني: النص المومىء إلى العلة، ويسمى الإيماء والتنبيه، وضابطه أن يقترن الحكم بوصف على وجه لو لم يكن علة له لكان الكلام معيبًا عند العقلاء وهو أقسام منها:
١- تعليق الحكم على العلة بالفاء: بأن تدخل الفاء على العلة ويكون الحكم متقدمًا كما في قوله ﷺ في المحرم الذي وقصته ناقته. وكفنوه في ثوبيه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا.
أو تدخل الفاء على الحكم وتكون العلة متقدمة كما في قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ وقوله: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ الآية، ويلتحق بهذا القسم ما رتبه الراوي بالفاء كقوله: "سها النبي ﷺ فسجد. وزنا ما عز فرجم ".
٢- ترتيب الحكم على الوصف بصيغة الشرط والجزاء، مثل قوله تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجًا﴾، ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ .
[ ٥٣ ]
٣- أن يحكم الشارع بحكم عقب حادثة سئل عنها كقوله ﷺ للأعرابي: "اعتق رقبة" جوابًا لسؤاله عن مواقعة أهله في نهار رمضان وهو صائم، فإنه دليل على كون الوقاع علة لوجوب الكفارة.
٤- أن يذكر مع الحكم شيئًا لو لم يقدر التعليل به لما كان لذكره فائدة وهو قسمان:
١- أن يستنطق السائل عن الواقعة بأمر ظاهر الوجود ثم يذكر الحكم عقبه كقوله ﷺ لما سئل عن بيع الرطب بالتمر "أينقص الرطب إذا يبس" قالوا: نعم قال: "فلا إذا" فلو لم يكن نقصان الرطب باليبس علة للمنع لكان الاستكشاف عنه لغوا.
٢- أن يعدل في الجواب إلى نظير محل السؤال كما روى أنه ﷺ لما سألته الخثعمية عن الحج عن الوالدين "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه أكان ينفعه " قالت: نعم قال: "فدين الله أحق أن يقضى "فيفهم منه التعليل بكونه دينًا.
المسلك الثالث: الإِجماع على العلة: فإنه متى وجد الاتفاق من مجتهدي الأمة على العلة صح التعليل بها مثال ذلك: الصغر فقد أجمع على أنه علة لثبوت الولاية على المال فيقاس عليه الولاية على النكاح.
ترتيب الأدلة وترجيح بعضها علما بعض
ترتيب الأدلة
الأدلة جمع دليل والمراد به هنا: ما تثبت به الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وقول الصحابي والاستصحاب.
والترتيب في اللغة جعل واحد من شيئين أو أكثر في رتبته التي يستحقها، ومعلوم أن الأدلة الشرعية متفاوتة في القوة فيحتاج إلى معرفة الأقوى ليقدم على غيره عند التعارض.
ودرجات الأدلة الشرعية على الترتيب الآتي:
١- الإجماع: لأنه قطعي معصوم من الخطأ ولا يتطرق إليه نسخ، والمراد به الإجماع القطعي وهو النطقي المنقول بالتواتر أو المشاهد بخلاف غيره.
٢- النص القطعي وهو نوعان:
١- الكتاب.
٢- السنة المتواترة وهي في قوة الكتاب لأنها تفيد العلم القطعي.
٣- خبر الآحاد، ويقدم منه الصحيح لذاته فالصحيح لغيره فالحسن لذاته فالحسن لغيره.
[ ٥٤ ]
٤- القياس، وعند أحمد يقدم قول الصحابي على القياس في إحدى الروايتين عنه.
فإن لم يكن دليل من هذه الأدلة استصحب الأصل وهو براءة الذمة من التكاليف فإذا تعارض أحد هذه الأدلة مع الآخر قدم الأقوى منها.
تنبيه: لا يقع تعارض بين قطعيين إلا إذا كان أحدهما ناسخًا للآخر أو مخصصًا له لأن كل قطعي يفيد العلم والعمل فإذا تعارضا تناقضا والشريعة لا تتناقض.
ولا بين قطعي وظني، لأن الظني لا يقاوم القطعي بل يقدم القطعي عليه
ما لم يكن مخصصًا له فيكون من باب تخصيص العام كما تقدم فلا يترك الظني لوجود القطعي حينئذ.
مثال ذلك قوله تعالى ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾ وهو فهذا نص قطعي الثبوت عام الدلالة في كل ميتة وكل دم مع حديث "أحلت لنا ميتتان ودمان أما الميتتان فالجراد والحوت وأما الدمان فالكبد والطحال ".
وحديث ميتة البحر وهو قوله ﷺ في البحر "هو الطهور ماؤه الحل ميتته". فخصص عموم الكتاب وهو قطعي بخبر الآحاد وهو ظني ولم يقدم القطعي على الظني.
فإذا عرف أنه لا يقع تعارض بين قطعيين ولا بين قطعي وظني لم يبق إلا الظنيان فإذا تعارض ظنيان فلا يخلو أمرهما من إحدى حالتين:
الأول: إمكان الجمع بينهما، والثانية عدم إمكانه.
ففي حالة إمكان الجمع يجمع بينهما سواء علم تاريخهما أولم يعلم مثال ذلك حديث اغتسال الرسول ﷺ بفضل ميمونة وقوله لها بعد أن أخبرته أنها كانت جنبا "أن الماء لا يجنب " مع حديث نهيه ﷺ أن تغتسل المرأة بفضل الرجل والرجل بفضل المرأة فجمع بينهما بحمل النهي على الكراهة والفعل على الإِباحة ويؤيد هذا الجمع حديث بئر بضاعة أن الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه.
فإذا لم يمكن الجمع فله حالتان:
[ ٥٥ ]
١- معرفة التاريخ ويكون المتأخر ناسخًا للمتقدم مثاله حديث طلق بن على ﵁ أنه قدم المدينة وكان مسجد رسول الله ﷺ من عريش فسمع أعرابيًا يسأل رسول الله ﷺ عن الرجل يمس ذكره بعد أن يتوضأ، أعليه وضوء، فقال له رسول الله ﷺ: "وهل هو إلا بضعة منك ".
مع حديث بسرة بنت صفوان وأبي هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "من مس ذكره فليتوضأ" فقد تعارض هذان الحديثان ولم يمكن الجمع وقد علم تقدم حديث طلق وتأخر حديث بسرة وأبي هريرة لأن حديث طلق حين كان مسجد رسوله الله ﷺ من عريش أي في أول قدوم رسول الله ﷺ المدينة، مع أن إسلام أبي هريرة حصل في السنة السابعة من الهجرة فحكم بعض العلماء على الأول بالنسخ.
٢- فإن لم يعلم التاريخ، فالترجيح بطلب أمر خارج عنهما يرجح به أحدهما على الآخر، ومثاله الأحاديث الدالة على التغليس بصلاة الصبح مع الأحاديث الدالة على الِإسفار بها فإنه لم يمكن الجمع بينهما ولم يعلم التاريخ فرجح جانب التغليس لموافقته لعموم قوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾ .
وكذلك حديث ابن عباس ﵄ في زواج رسول الله ﷺ بميمونة وهو محرم مع حديث أبي رافع أنه تزوجها وهو حلال قال وكنت السفير بينهما، فالقصة واحدة ولا تفاوت في الزمن بالنسبة إلى الحديثين فلا يمكن إدعاء النسخ في أحدهما ولا يمكن الجمع بين حلال ومحرم في وقت واحد فانتقل إلى الترجيح فرجح حديث أبي رافعِ على حديث ابن عباس لأمور منها:
١- كونه سفيراَ بين رسول الله ﷺ وميمونة فيكون أعلم بحقيقة الواقع من ابن عباس إذ هو المباشر للقصة.
٢- جاء عن ميمونة نفسها وهي صاحبة القصة أن الزواج كان ورسول الله ﷺ حلال غير محرم.
٢- الترجيح
[ ٥٦ ]
تعريفه: هو تقوية أحد الطرفين المتعارضين فيقوم بسببه على غيره.
طريق الترجيح: والترجيح إما أن يكون عن طريق السند أو عن طريق المتن أو لأمر خارج عنهما.
أولًا: الترجيح عن طريق السند:
١- يقدم الأكثر رواة على الأقل والأعلى سندًا على الأنزل منه.
٢- تقدم رواية الأضبط الأحفظ على رواية الضابط الحافظ.
٣- يقدم المسند على المرسل.
٤- تقدم رواية صاحب القصة والمباشر لها على الأجنبي عنها.
ومن أمثلة ذلك: تقديم حديث ميمونة وأبي رافع على حديث ابن عباس كما تقدم قريبًا لأن ميمونة هي صاحبة القصه وأبا رافع هو السفير بين رسول الله ﷺ وميمونة.
وكذلك تقديم حديث عائشة وأم سلمة ﵄ في صحة صوم من أدركه الفجر وهو جنب على حديث أبي هريرة بخلاف حديثهما، لأن عائشة وأم سلمة أدرى من أبي هريرة في ذلك لأن غسل الجنابة وما يشاكله من أمور البيت التي يشهدانها وغيرهما يغيب عنه.
ثانيًا: الترجيح عن طريق المتن: كأن يقدم النص على الظاهر، والظاهر على المؤولة، والمؤول بقرينة صحيحة على ما ليست له قرينة أوله ولكنها باطلة.
ثالثا: الترجيح للأمر خارج عنهما.
١- يقدم ما تشهد له نصوص أخرى على ما لم تشهد له، كأحاديث التغليس في الصبح كما تقدم.
٢- ويقدم الخبر الناقل عن حكم الأصل والموجب للعبادة مثلا على النافي لها لأن النافي جاء على مقتضى العقل والآخر متأخر فكان كالناسخ، مثل حديث بسرة وأبي هريرة في نقض الوضوء بمس الذكر فيقدم على حديث طلق بن علي لكونه جاء على مقتضى الأصل.
٣- تقدم رواية الإِثبات على رواية النفي لأن المثبت معه زيادة علم خفيت على النافي.
٤- يقدم المقتضي للحظر على المبيح لكونه أحوط.
[ ٥٧ ]