وعرَّف الإعادة بقوله:
وانتفيا في النفل والعبادة تكريرُها لو خارجًا إعادة
تنبيه:
قد يجتمع الأداء والقضاء في العبادة، كالصلوات الخمس، فإنَّها تؤدَّى في وقتها وتُقضى بعد خروجه.
وقد ينفرد الأداء دون القضاء، كصلاة الجمعة، فإنها تُؤدَّى في وقتها ولا تقضى بعد خروج الوقت بل يجب قضاؤها ظهرًا.
وقد ينفرد القضاء دون الأداء، كما في صوم الحائض، فإنَّ أداءه حرام، وقضاءه واجب.
وقد ينتفيان معًا في النوافل التي ليس لها أوقات معينة.
ولا يخفى أن القضاء في الاصطلاح إنَّما هو فيما فات وقته المعين له، وقد سبق له وجوب في وقته، فما لم يعين له وقت لا يُسمى قضاءً، كالزكاة إذا أخرَّها عن وقتها، وكمن لزمه قضاء صلاة على الفور فأخرها، فلا يقال: إنَّ صلاته بعد التأخير قضاء القضاء.
وهنا سؤالٌ معروفٌ، وهو أن يقال: الحائض في بعض أيام رمضان يجبُ عليها القضاء إجماعًا مع أن الوقت فات، والصوم عليها حرام، فكيف يجب قضاء ما فات وقته وهو حرام؟
وكذلك يُقال في الناسي والنائم؛ لأنَّهما فات عليهما وقت الصلاة وهي غير واجبة عليهما، بدليل الإجماع على سقوط الإثم عنهما.
[ ٦٨ ]
وقد تكلَّمنا فيما سبق على مسألة الناسي والنائم بما يُغني عن إعادة الكلام هنا.
وأمَّا الحائض فقد اختلف في إطلاق وجوب الصوم عليها زمن الحيض وعدمه، فأكثر العلماء على أنَّ انعقاد السبب مع وجود المانع يكفي في إطلاق الوجوب على العبادة المنعقد سببها المانع منها مانع.
وقال بعضهم: انعقاد سبب الوجوب مع وجود المانع لا أثر له، فلا يوصفُ بوجوب إلا ما توفرت شروطه وانتفت موانعه.
وعلى قول الجمهور: إنَّه يكفي في إطلاق اسمِ الوجوب عليه انعقادُ سببه وإن منع منه مانع، فالفعل الثاني قضاء للأول، وعلى قول من قال: إنه لا يطلق عليه اسم الوجوب، فالفعل الثاني أداء بأمر جديد وليس قضاء للأول.
وفرق بعض العلماء بين النائم والناسي والمسافر وبين الحائض، فقال: الفعل في غير زمن الحيض كزمن النوم والنسيان والسفر يوصف بالوجوب، ففعله الثاني قضاء لذلك الواجب، وأمَّا الحيض فالصوم فيه حرام، فلا يمكن وصفه بالوجوب، فصوم الحائض عدَّة من أيام أخر على هذا أداءٌ بأمر جديد لا قضاء.
وذكر ابن رشد في "المقدمات" أنَّ هذا التفصيل هو الراجح عند المالكية. وعليه درج في المراقي بقوله:
هل يجب الصوم على ذي العذر كحائضٍ ومُمْرَضٍ وسَفْرِ
وجوبه في غير الأول رجح وضعفه فيه لديهمُ وَضَح
[ ٦٩ ]
وهذا القول بأن صوم الحائض ما فاتها من رمضان إذا طهرت أداءٌ لا قضاءٌ هو الذي رده المؤلف بقوله (^١):
(وهذا فاسد؛ لوجوهٍ ثلاثة:
١ - ما روي عن عائشة ﵂: "كُنَّا نحيض على عهد رسول اللَّه -ﷺ- ثم نطهر، فيأمرنا بقضاء الصيام، ولا يأمرُنا بقضاء الصلاة".
٢ - أنَّه لا خلافَ بين أهلِ العلمِ في أنهم ينوون القضاء.
٣ - أنَّ العبادة متى أمر بها في وقت مخصوص فلم يجب فعلها فيه لا يجب بعده. . .) الخ.
هذه الأوجه الثلاثة التي رد بها المؤلف ذلك:
الوجه الأول منها لا دليل فيه؛ لأنَّ إطلاق عائشة ﵂ اسم القضاء على صوم الحائض ما فاتها من رمضان لا دليل فيه؛ لأن القضاء يطلق في اللغة على فعل العبادة مطلقًا في وقتها أم لا.
وتخصيصه بفعلها بعد خروج الوقت اصطلاح خاص للأصوليين والفقهاء، فلا دليل قطعًا في لفظ عائشة المذكور؛ لأن الاصطلاح المذكور حادث بعدها.
وأما الوجه الثاني، وهو الإجماع على أنهم ينوون القضاء، فهو الدليل الجيد المعتمد في محل النزاع، مع أن بعض أهل العلم ناقش
_________________
(١) (١/ ٢٥٦ - ٢٥٧).
[ ٧٠ ]