حاصل كلام أهل الأصول في هذه المسألة التي هي هل يفيد خبر الآحاد اليقين، أو لا يفيد إلا الظن؟ أن فيها للعلماء ثلاثة مذاهب:
الأول -وهو مذهب جماهير الأصوليين-: أنَّ أخبار الآحاد إنَّما تفيد الظن فقط، ولا تفيد اليقين، وهو مراد المؤلف بالعلم، فالعلم هو اليقين في الاصطلاح.
وحجة هذا القول أنك لو سئلت عن أعدل رواة خبر الآحاد، أيجوز في حقه الكذب والغلط؛ لاضطررت أن تقول: نعم، فيقال: قطعُك إذن بصدقِه مع تجويزك عليه الكذب والغلط لا معنى له.
المذهب الثاني: أنه يفيد اليقين إن كان الرواة عدولًا ضابطين.
واحتج القائلون بهذا بأن العمل بخبر الآحاد واجب، والظن ليس من العلم حتى يجب العمل به؛ لأنَّ اللَّه تعالى يقول: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس/ ٣٦]، والنبي -ﷺ- يقول: "إياكم والظن فإن الظن كذب الحديث".
وهذا القول بإفادته العلم رواية عن أحمد، وحكاه الباجي عن
_________________
(١) (١/ ٣٦٢).
[ ١٥٥ ]
ابن خويز منداد من المالكية، وهو مذهب الظاهرية.
المذهب الثالث: هو التفصيلُ بأنَّه إن احتفت به قرائنُ دالة على صدقه، أفاد اليقين، وإلا أفاد الظن.
ومثال ما احتفَّت به القرائن: إخبار رجل بموت ولده المشرف على الموت مع قرينة البكاء وإحضار الكفن والنعش.
ومن أمثلته -أيضًا-: أحاديث الشيخين؛ لأنَّ القرائن دالةٌ على صدقها، لجلالتهما في هذ الشأن، وتقديمهما في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق، كما قاله غير واحدٍ.
واختار هذا القول ابنُ الحاجب، وإمام الحرمين، والآمدي، والبيضاوي. قاله صاحب "الضياء اللامع".
وممَّن اختار هذا القول أبو العباس ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى.
وحمل بعضُهم الرواية عن أحمد على ما قامت القرائنُ على صدقه خاصة دون غيره.
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
الذي يظهر لي أنَّه هو التحقيق في هذه المسألة -واللَّه جل وعلا أعلم- أنَّ خبر الآحاد -أي الذي لم يبلغ حد التواتر- ينظر إليه من جهتين؛ هو من إحداهما قطعي، ومن الأخرى ظني.
ينظر إليه من حيث إن العمل به واجب، وهو من هذه الناحية
[ ١٥٦ ]
قطعي؛ لأن العمل بالبينات -مثلًا- قطعي منصوص في الكتاب والسنة، وقد أجمع عليه المسلمون، وهي أخبار آحاد.
وينظر إليه من ناحية أخرى، وهي هل ما أخبروا به مطابق للواقع في نفس الأمر؟ فلو قتلنا رجلًا قصاصًا بشهادة رجلين، فقتلنا له هذا قطعي شرعًا لا شك فيه، وصدق الشاهدين فيما أخبرا به مظنونٌ في نفس الأمر لا مقطوعٌ به؛ لعدم العصمة.
ويوضح هذا قوله -ﷺ- في حديث أم سلمة المتفق عليه: "إنَّما أنا بشر تختصمون إليَّ، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق مسلمٍ فإنَّما هي قطعةٌ من نارٍ فليأخذها أو ليتركها".
فعمل النبي -ﷺ- في قضائه قطعي الصواب شرعًا، مع أنه صرَّح بأنه لا يقطع بحقيقة الواقع في نفس الأمر كما ترى.
وأشار في "المراقي" إلى الأقوال في هذه المسألة بقوله في خبر الآحاد:
ولا يُفيد العلم بالإطلاق عند الجماهير من الحذَّاق
وبعضهم يفيد إن عدل روى واختير ذا إن القرينة احتوى
وفي الشهادة وفي الفتوى العمل به وجوبه اتفاقًا قد حصل
كذاك جاء في اتخاذ الأدوية ونحوها كسفر والأغذية
ويوضحُه -أيضًا-: قول علماء الحديث في تعريف الصحيح: إنَّ
[ ١٥٧ ]