خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن قومًا أنكروا جواز التعبد بخبر الآحاد عقلًا، قالوا: لا يجوز عقلًا أن يأمر اللَّه خلقه أن يعبدوه بمقتضى ما يبلغهم عنه وعن رسله على ألسنة الآحاد، وعللوا ذلك الامتناع العقلي بأن الآحاد غير معصومين، فخبرهم غير مقطوع بصدقه، وغير المقطوع بصدقه ليس من العلم، والتكليف بما ليس بمعلوم علفا يقينيًا يقبح، والقبيح مستحيل في حق اللَّه تعالى.
وممن يروي عنه هذا القول ابن عُليَّة والأصم والجبائي وجماعة من المتكلمين، وهذا القول لا شك في بطلانه، كما أنَّه لا شك أنَّ التحقيق هو مذهب الجمهور، وهو جوازُ وقوع التعبد بأخبار الآحاد، فالعمل بها قطعي، والموافقة لما في نفس الأمر ظنية، ولا مانع عقلًا ولا شرعًا ولا عادة من بناء قطعي شرعًا على أمر ظني بالنسبة لما في نفس الأمر، كما تقدَّم قريبًا.
قال المؤلف (^١):
(فصل
وقال أبو الخطاب: العقل يقتضي وجوب قبول خبر الواحد لأمور ثلاثة. .) إلخ.
خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن أبا الخطاب قال: إن العمل بخبر الآحاد يوجبُه العقلُ؛ لثلاثة أمور:
_________________
(١) (١/ ٣٦٨).
[ ١٦٠ ]
الأول: أن الأمور القطعية في الشرع قليلة، والأغلب فيه الظنيات، فلو علِّق العمل على القطع لتعطل أغلب الأحكام؛ لندرة القواطع، وقلة مدارك اليقين.
الثاني: أنه -ﷺ- مبعوث إلى الناس كافةً، ولا تمكن مشافهةُ جميعهم، ولا إبلاغ جميعهم بالتواتر.
الثالث: أن العدل الراوي لخبر الواحد مظنونُ الصدق لعدالته، والظن أرجح من مقابله، والعمل بالراجح يوجبه العقل، فمتى ترجح وجود أمر اللَّه ورسوله بإخبار العدل فالعمل به إذن أرجح من مقابله، فالعقل يقتضيه.
وأجاب المخالفون عن الأمور الثلاثة بأنه لا يلزم من عدم التعبد به تعطل الأحكام؛ لإمكان البقاء على البراءة الأصلية، واستصحاب العدم الأصلي.
وكذلك الظن الناشئ منه، قالوا: لا يرفع حكم اليقين الثابت بالبراءة الأصلية واستصحاب العدم الأصلي.
قالوا: والنبي يكلَّف بتبليغ من أمكنه تبليغه من أمته دون من لم يمكنه.
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
التحقيق أن العقل بالنظر إليه وحده لا يمنع التعبد بخبر الواحد ولا يوجبه، فكلا القولين المتقدمَيْن باطل بلا شك، أعني قول من قال: يمنعه العقل، كالأصم والجبائي، وقول من قال: يوجبه، وهو
[ ١٦١ ]