ذلك.
واعلم أنَّ التحقيق قبولُ التعديل بدون بيان السبب، كما هو مذهبُ الجمهور من أصوليين ومحدِّثين.
واعلم أنَّ عدم العمل بشهادة شاهد ليس تجريحًا له، كما هو ظاهر.
قال المؤلف (^١) رحمه اللَّه تعالى:
(فصل
والذي عليه سلفُ الأمة وجمهورُ الخلف أنَّ الصحابة ﵃ معلومةٌ عدالتُهم بتعديل اللَّه تعالى وثنائه عليهم، قال اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ [التوبة/ ١٠٠]، ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح/ ١٨] وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح/ ٢٩]. .) الخ.
خلاصةُ ما ذكره في الفصل أنَّ الصحابة كلَّهم عدول؛ للثناء عليهم في كتاب اللَّه وسنة نبيه -ﷺ-، وهذا قولُ جمهور علماء المسلمين، وهو الصواب إن شاء اللَّه تعالى.
وعلى هذا فجهالةُ الصحابي لا تضرُّ لأنَّهم كلَّهم عدول.
والصحابيُّ: هو من اجتمع مع النبي -ﷺ- مؤمنًا ومات على ذلك.
_________________
(١) (٢/ ٤٠٣).
[ ١٩٠ ]
والصحبة تثبتُ بقوله عن نفسه: إنَّه صحب النبي -ﷺ-، إنْ كان أدرك عصره، وكذلك تثبتُ بقول غيره من الصحابة ﵃.
هذا حاصل كلامه ﵀.
وخالف جماعة، فقالوا: لا تثبتُ العدالةُ إلا لخصوص الذين لازموه -ﷺ-، واهتدَوْا بهديه، أمَّا من رآهُ مرة مثلًا ثم فارقه، فلا تثبتُ له العدالة بذلك.
وممَّن اختار هذا التفصيل المازريُّ في شرح "البرهان" لإمام الحرمين، والقرافي، وغيرهما.
والصواب -إن شاء اللَّه تعالى- هو مذهبُ الجمهور، وأنهم كلُّهم عدولٌ ﵃ وأرضاهم، سواء لازموه أو اجتمعوا به وذهبوا.
وقد أطبقَ العلماءُ على قبول رواية وائل بن حُجر، ومالك بن الحويرث، وعثمان بن أبي العاص الثقفي، وغيرهم، ممَّن اشتهرتْ صحبتُهم وروايتُهم عنه -ﷺ-، مع أنَّهم وفدُوا إليه، واجتمعُوا به -ﷺ-، ورجعُوا إلى أهليهم، ولم يلازموه.
وقال ابنُ حجر في مقدمة "الإصابة": اتفق أهل السنة على أنَّ الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة.
وذكر الخطيبُ في "الكفاية" فصلًا نفيسًا في ذلك فقال: عدالة الصحابة ثابتةٌ معلومةٌ بتعديل اللَّه لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران/ ١١٠]، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾
[ ١٩١ ]
[البقرة/ ١٤٣]، وقوله ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح/ ١٨]، وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة/ ١٠٠]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال/ ٦٤]، وقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر/ ٨ - ١٠].
في آيات كثيرة يطول ذكرُها، وأحاديث كثيرة يكثر تعدادها، وجميع ذلك يقتضي القطع بتعديلهم، ولا يحتاج أحدٌ منهم مع تعديل اللَّه إلى تعديل أحدٍ من الخلق، على أنه لو لم يرد من اللَّه ورسوله فيهم شيء ممَّا ذكرناه، لأوجبت الحالُ التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد، ونصرة الإسلام، وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأبناء، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين، القطعَ بتعديلهم.
إلى أن قال: والأحاديث الواردة في تفضيل الصحابة كثيرة، ومن أدلَّها على المقصود ما رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث عبد اللَّه بن مغفَّل قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "اللَّه اللَّه في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا، فمن أحبَّهم فبحبي أحبَّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذى اللَّه، ومَنْ آذى اللَّه فسيوشك أنْ يأخذه".
وقال أبو محمد بن حزم: الصحابةُ كلُّهم من أهل الجنة قطعًا، قال اللَّه تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً
[ ١٩٢ ]
مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد/ ١٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء/ ١٠١]؛ فثبت أنَّ الجميع من أهل الجنَّة، وأنَّه لا يدخلُ أحد منهم النار؛ لأنَّهم هم المخاطبون بالآية السابقة.
فإنْ قيل: التقييد بالإنفاق والقتال يُخرج من لم يتصف بذلك، وكذلك التقييد بالإحسان في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة/ ١٠٠] يخرج من لم يتصف بذلك.
فالجواب أنَّ التقييدات المذكورة خرجت مخرج الغالب، وإلا فالمرادُ من اتصف بالإنفاق بالفعل أو القوة. انتهى منه مع حذف واختصارٍ غير مخل بالمقصود.
وأشار في "مراقي السعود" إلى مسألة عدالة الصحابي جامعًا معها الفرق بين الرواية والشهادة بقوله:
شهادةُ الأخبار عمَّا خصَّ إنْ فيه ترافع إلى القاضي زُكِنْ
وغيرُه رواية والصحب تعديلُهم كلٌّ إليه يصبو
واختار في الملازمين دون مَنْ رآه مرةً إمامٌ مؤتمن
ومراده بالإمام المؤتمن القرافي، وقد سبقه إلى ذلك القول المازريُّ وغيره، كما تقدم.
فالحاصلُ أنَّ الحق الذي عليه من يعتدُّ به من المسلمين أنَّ الصحابة كلَّهم محكوم لهم بالعدالة، ولا يبحثُ عن عدالة أحد منهم،
[ ١٩٣ ]