أبو الخطاب. فالعقل يجيز التعبد به ولا يمنعه ولا يوجبه، وهذا هو الحق إن شاء اللَّه تعالى.
قال المؤلف: (^١)
(فصل
فأما التعبد بخبر الواحد سمعًا، فهو قول الجمهور، خلافًا لأكثر القدرية، وبعض أهل الظاهر، ولنا دليلان قاطعان. .) إلخ.
خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا الفصل أنَّ التعبد بخبر الواحد بالنظر إلى الحكم الشرعي -فهو مراده بقوله: "سمعًا"- هو مذهب الجمهور، خلافًا لأكثر القدرية، وبعض أهل الظاهر، وأن للجمهور دليلين قاطعين على التعبد به شرعًا:
الأول: إجماع الصحابة ﵃ في وقائع لا تنحصر على قبوله، كرجوع أبي بكر لقول المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة في ميراث الجدة لما أخبراه أنه -ﷺ- أعطاها السدس.
ومنها: رجوع عمر ﵁ إلى قول المذكورين في دية الجنين أنه -ﷺ- قضى فيها بغرةٍ عبد أو وليدة.
ومنها: رجوع عمر إلى قول الضحاك بن سفيان أن رسول اللَّه -ﷺ- كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، وكرجوعه إلى قول عبد الرحمن بن عوف أن النبي -ﷺ- أخذ الجزية من مجوس هجر.
_________________
(١) (١/ ٣٧٠).
[ ١٦٢ ]
ومنها: رجوع عثمان ﵁ إلى قول فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري أن النبي -ﷺ- أمرها بالسكنى في دار زوجها لما قتل حتى تنقضي عدتها.
إلى غير ذلك من الوقائع التي لا تنحصر (^١)، والمقصودُ المثال لا حصر جميعها، وقد جاء عنهم التصريح برجوعهم عمَّا كانوا يرونه لنفس تلك الأخبار التي هي آحاد، كما جاء في بعض روايات حديث الغرَّة في الجنين أن عمر قال: "اللَّه أكبر، لو لم نسمع بهذا لقضينا بغيره"، عند أبي داود وغيره،
كما روي عنه أنه كان لا يرى توريث المرأة من دية زوجها حتى أخبره الضحاك بن سفيان بأن رسول اللَّه -ﷺ- كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، وكان قد قُتِلَ خطأ.
وأمثال هذا كثيرة.
فإن قيل: قد جاء ما يدل على ترك العمل بخبر الواحد في وقائع أخرى، كعدم قبوله -ﷺ- لخبر ذي اليدين لما قال له: أقصرت الصلاة أم نسيت، وأخبره أنه سلم من اثنتين.
ولم يقبل أبو بكر ﵁ خبر المغيرة بن شعبة في ميراث الجدة حتى شهد معه محمد بن مسلمة.
_________________
(١) ومن أقواها وأصرحها تحول بني سليم إلى الكعبة وهم في صلاة الظهر، لما أخبرهم رجل واحد أنه صلى مع النبي -ﷺ- الصبح إلى الكعبة، فاستداروا إليها حالًا. "عطية".
[ ١٦٣ ]
ولم يقبل عمر خبر أبي موسى في الاستئذان ثلاثًا حتى شهد معه أبو سعيد الخدري.
ولم تقبل عائشة خبر ابن عمر في حديثه أن الميت يعذب ببكاء أهله.
فالجواب من وجهين:
الأول: أن هذا اعتراف من المخالف بقبول خبر الآحاد، وإذن فهو إقرار منه بمحل النزاع؛ لأنَّ شهادة محمد بن مسلمة مع المغيرة، وأبي سعيد مع أبي موسى لا تنقل الخبر من كونه آحادًا؛ لأنَّ خبر الاثنين خبر آحاد كما ترى.
الثاني: أنَّ تلك الوقائع ليس فيها ما يدلُّ على عدم قبول خبر الآحاد؛ لأنَّ عدم تصديق النبي -ﷺ- لذي اليدين لأنه كان يظنُّ خلاف ما أخبر به، ولذا قال له: "كل ذلك لم يكن" أي لم أنس ولم تقصر الصلاة، أي في ظني، ولا يكلف الإنسان بقبول خبر هو يظنُّ عدم صدقه، ولما أخبره الصحابة بصدق ذي اليدين أتم صلاته وسجد للسهو.
وهذا هو الصواب في الجواب عن هذا، خلافًا لما ذكره المؤلف -﵀- من أنَّ الجواب عنه أنَّ عدم تصديقه -ﷺ- لذي اليدين ليعلمهم أن هذا الحكم لا يؤخذ فيه بقول الواحد، لأنهم كانوا خلفه -ﷺ- كثيرين جدًّا، وفيهم من هو أضبط للصلاة وأحرص على كمالها من ذي اليدين، فكان انفراده بالتنبيه على ذلك دون جميعهم بعيدًا؛ ولذا
[ ١٦٤ ]
لم يصدقه حتى أخبر غيره.
وأما أبو بكر ﵁ فلم يرد قول المغيرة، وإنما طلب الاستظهار بشهادة آخر معه، ولو لم يجد غيره لقبله منفردًا، كقول إبراهيم: ﴿بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة/ ٢٦٠].
وأمَّا عمر ﵁ فإنه قال لأبي موسى [ما قال] سدًّا للذريعة، لئلا يكون الناس كما توجه إلى أحد منهم لَوْمٌ وضع حديثًا عن النبي -ﷺ- يرفعُ به عنه ذلك اللوم، وقد ثبت عن عمر ﵁ أنه غيرُ مُكَذِّبٍ ولا مُتَّهِمٍ لأبي موسى، ولكنه خشي أن يتقول الناس على رسول اللَّه -ﷺ-.
وأمَّا عائشة فهي لم تكذِّب ابن عمر، بل قالت: إنكم لتحدثون عن غير كاذبين ولا مكذبين، ولكن السمع يخطئ، كما ثبت عنها ﵂ في الصحيح.
وفي رواية عنها في الصحيح أيضًا أنها قالت: رحم اللَّه أبا عبد الرحمن -تعني ابن عمر- سمع شيئًا فلم يحفظه. . . إلخ.
ولكنها ظنَّت أنه غلط، لاعتقادها أنَّ ما أخبر به مخالف لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام/ ١٦٤، الإسراء/ ١٥، فاطر/ ١٨، الزمر/ ٧]؛ لأن بكاء أهل الميت ليس من فعله، فلو عُذِّب به لكان من مؤاخذته بعمل غيره، والقرآن ينفي هذا، ومن هنا ظنت أنه غلط.
وظنُّ شخصٍ غلطَ شخصٍ معين في حادثة معينة لسبب معين، ليس فيه البتة ما يقتضي رد قول ذلك المخبر مطلقًا كما ترى، مع أن
[ ١٦٥ ]
الصواب في هذه المسألة مع ابن عمر ﵄، وليس الأمر كما ظنت عائشة ﵂، وتوجيهه عند العلماء من أربعة أوجه:
الأول: أنَّ ذلك الميت أوصى أهله بالبكاء عليه، كقول طرفة بن العبد في معلقته:
إذا متُّ فانعيني بما أنا أهلُه وشقي عليَّ الجيب يا ابنة معبد
وحينئذ فتعذيبه بفعله الذي هو أمره وإيصاؤه بالمنكر.
الثاني: أن يعلم أن أهله يفعلون ذلك بعد موته ولم ينههم عنه؛ لأن اللَّه فِيأمره بنهيهم عن ذلك المنكر، كما قال تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم/ ٦]، وتعذيبه إذن بتقصيره وإهماله ما أمره اللَّه به من نهي أهله عن المنكر.
الثالث: أنَّ معنى تعذيبه ببكاء أهله توبيخ الملائكة له بما يندبُه أهلُه به.
الرابع: أنَّ معنى تعذيبه تألُّمه بما يقع من أهله من النياحة وغيرها.
قال ابن حجر في "الفتح": وهذا اختيارُ أبي جعفر الطبري من المتقدمين، ورجحه ابن المرابط وعياض ومن تبعه، ونصره ابن تيمية وجماعة من المتأخرين، واستشهدوا له بحديث قيلة بنت مخرمة، ومحل الشاهد في كلامه من حديثها قوله -ﷺ-: "فوالذي نفس محمد بيده إن أحدكم ليبكي فيستعبر إليه صويحبه، فيا عباد اللَّه لا تعذبوا موتاكم".
[ ١٦٦ ]
قال: وهذا حديث طويل حسن الإسناد، أخرجه ابن أبي خيثمة وابن أبي شيبة والطبراني وغيرهم.
الدليل الثاني: ما تواتر من إنفاذ رسول اللَّه -ﷺ- أمراءه ورسله وقضاته وسعاته إلى الأطراف لتبيلغ الأحكام والقضاء وتبليغ الرسالة.
ومن المعلوم أنه كان يجب عليهم تلقي ذلك بالقبول، ليكون مفيدًا، والنبي -ﷺ- مأمور بتبليغهم الرسالة، ولم يكن ليبلغها بمن لا يكتفى به. وهذا دليل قاطع على قبول أخبار الآحاد.
وقال البخاريُّ في صحيحه: باب ما جاء فى إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام، قول اللَّه تعالى: ﴿وَفَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة/ ١٢٢]، ويسمى الرجلُ طائفة لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات/ ٩] فلو اقتتل رجلان دخل في معنى الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات/ ٦]، وكيف بعث النبي -ﷺ- أمراءه واحدًا بعد واحدٍ، فإن سها أحد منهم رد إلى السنة.
ثم ساق -﵀- أحاديث في وقائع متعددة كلَّها دالة على إلزامه -ﷺ- بقبول خبر الآحاد، فانظرها فيه إن شئت.
ومراد البخاري ﵀ أن العمل بخبر الواحد دلَّ عليه الكتاب والسنة.
فمن الآيات الدالة عليه قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ
[ ١٦٧ ]
طَائِفَةٌ﴾ الآية [التوبة/ ١٢٢]؛ لأن تلك الطائفة لم يقل أحد بشرط بلوغها عدد التواتر، مع أن اللَّه يُلزم بقبول خبرها في قوله: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة/ ١٢٢]، بل ذكر البخاري أن الطائفة تصدق بالرجل الواحد، واستدل على ذلك بالآية التي ذكرناها آنفًا، وقد سبقه للاستدلال بالآية على ذلك الشافعي ومجاهد رحمهم اللَّه تعالى.
ومن الآيات الدالة على قبول خبر الواحد قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية، فإنه يفهم من دليل خطاب هذه الآية -أعني مفهوم مخالفتها- أن ذلك الجائي بنبأ لو كان غير فاسق، بل كان معروفًا بالعدالة والصدق، فإنه لا يلزم التبين في خبره على قراءة "فتبينوا"، ولا التثبت على قراءة "فتثبتوا"، بل يلزم العمل به حالًا من غير تبين ولا تثبت.
والتحقيق اعتبار مفهوم المخالفة، كما تقرر في الأصول، خلافًا لأبي حنيفة ﵀ تغالى.
قال المؤلف (^١) رحمه اللَّه تعالى:
(دليل ثالث، وهو أن الإجماع انعقد على قبول قول المفتي فيما يخبر به عن ظنِّه، فما يخبر به عن السماع الذي لا يشك فيه أولى).
_________________
(١) (١/ ٣٨٠).
[ ١٦٨ ]