تنبيه:
تكلم المؤلفُ -﵀- على الأمر بالشيء الذي له ضدٌّ، ولم يذكر حكم الشيء الذي له أضداد متعددة، وحكمهما واحد، فالأمرُ بالشيء نهي عن الضد الواحد أو مستلزم له. . إلى آخره، ونهي عن جميع الأضداد المتعددة أو مستلزم لها. . إلى آخره.
مثال الواحد: ضد السكون، وهو الحركة. ومثال المتعددة: النهي عن القيام، فضده القعود والاضطجاع.
فصل
قال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(التكليف في اللغة: إلزام ما فيه كلفةٌ، أي مشقة. قالت الخنساء:
يكلِّفه القومُ ما نابهم وإنْ كان أصغرهم مولدًا)
فقد عرفنا التكليف لغة واصطلاحًا فيما تقدم.
وقوله: (وهو في الشريعة الخطابُ بأمر أو نهي). قد بينَّا فيما تقدم وجه إدخال الجائز في أقسام التكليف مع أنَّه ليس مكلَّفًا به فعلًا ولا تركًا.
قال المؤلف (^٢) -﵀-:
(وله شروط بعضُها يرجعُ إلى المكلَّف، وبعضُها يرجعُ إلى نفس
_________________
(١) (١/ ٢٢٠).
(٢) (١/ ٢٢٠).
[ ٤٠ ]
الفعل المكلَّف به. . .) إلى آخره.
أما شروط التكليف الراجعة إلى المكلف فذكر منها: العقل، والبلوغ، وعدم النسيان، وعدم النوم، فجعل السكران الذي لا يعقل غير مكلَّف، ولم يجعل عدم الإكراه شرطًا، فالمكره عنده مكلَّفٌ، وذكر الخلاف في اشتراط عدم الكفر بالنسبة إلى فروع الإسلام، ولذا ذكر أن الكفار اختلف في خطابهم بفروع الإسلام.
وذكر ثلاثة شروط راجعة إلى نفس الفعل المكلف به، وهي: علم المكلَّف المأمور به، فلا يصح تكليفه بما لا يعلمه.
الثاني: كون الفعل المأمور به معدومًا، لأنَّ التكليف بتحصيل الموجود تحصيل حاصل. وهو محال.
الثالث: كونه ممكنًا، فلا يصح التكليف بالمحال.
هذا حاصلُ ما ذكره من شروط التكليف، ودونك تحقيق المقام في الشروط المذكورة.
أمَّا اشتراط العقل في التكليف فلا خلاف فيه بين العلماء، إذ لا معنى لتكليف من لا يفهم الخطاب، وأمَّا لزوم قيم المتلفات وأروش الجنايات لمن لا عقل له، كالصبي الصغير والمجنون، فهو من خطاب الوضع لا من خطاب التكليف.
وأمَّا الصبيُّ المميز: فجمهور العلماء على أنه غير مكلَّف بشيء مطلقًا، لأنَّ القلم مرفوع عنه حتى يبلغ، وعن أحمد رواية مرجوحة بتكليف الصبي المميز، ومذهب مالك وأصحابه تكليف الصبي
[ ٤١ ]
بالمكروه والمندوب فقط دون الواجب والحرام، قالوا: للإجماع على أنه لا إثم عليه بترك واجب، ولا بارتكاب حرام؛ لرفع القلم عنه، وأما المكروه والمندوب فاستدلوا لتكليفه بهما بحديث الخثعمية التي أخذت بضبعي صبي، وقالت: يا رسول اللَّه ألهذا حج؛ قال: "نعم ولك أجر".
وأما النائم والناسي: فاختُلف في تكليفهما، فقيل: غير مكلفين، كما درج عليه المؤلف؛ للإجماع على سقوط الإثم عنهما، ولو كانا مكلفين كانا آثمين بترك العبادة حتى فات وقتها لأجل النوم والنسيان.
وقيل: هما مكلفان؛ بدليل الإجماع على وجوب القضاء عليهما، إذ لو كانت الصلاة غير واجبة عليهما في وقت النوم أو النسيان لما وجب قضاؤها عند اليقظة والذكر؛ لأن ما لم يجب لا يجب قضاؤه.
وجمع بعض محققي الأصوليين من المالكية بين القولين بأنْ قال: إنَّ عدم النوم والنسيان شرطٌ في الأداء لا في الوجوب، فالصلاة واجبة عليهما مع أنهما غير مكلفين بنفس أدائها، فالتمكن من الأداء بعد النوم والنسيانِ شرطٌ في الأداء فقط لا في الوجوب، ومرادُهم بشرط الإيجاب أنَّه شرط في الإيجاب الإعلامي الذي المقصود منه اعتقادُ وجوب إيجاد الفعل، ومرادهم بشرط الأداء الإيجاب الإلزامي الذي المقصود منه الامتثال الذي لا يحصل إلا بالاعتقاد والإيجاد معًا.
واعلم أنَّ ما جزم به المؤلف ﵀ من كون الناسي والنائم غير مكلَّفين، يشكل عليه وجوب قضاء الصلاة، والإجماع على أنَّها قضاء، وقد يُجاب عنه بأنَّ القضاء وجب بانعقاد سبب الوجوب، وإن منع منه تمامه مانع النوم أو النسيان. واللَّه تعالى أعلم.
[ ٤٢ ]
وأما السكران الذي لا يعقل: فجزم المؤلف بأنه غير مكلَّف، وبين أن لزوم الطلاق للسكران، ولزوم قيم المتلفات للنائم والناسي، أنَّ ذلك من خطاب الوضع، وذلك هو مراده بقوله (^١): (من قبيل ربط الأحكام بالأسباب)؛ لأنَّ ذلك بعينه من خطاب الوضع.
واعلم أنَّ العلماء اختلفوا فيما يلزمُ السكران، ومما قيل في ذلك: التفصيل؛ لأنَّ السكر قد يذهب جميع عقله حتى يكون لا يعقل شيئًا، وهو المعروف بالسكران الطافح، وقد يذهب بعض عقله، ويبقى معه بعضه.
فالأظهر في الطافح أنه لا يلزمه شيء من العقود ولا العتق ولا الطلاق ولا الجنايات إلا ما كان من خطاب الوضع كغرم قيمة المتلف، وأمَّا الذي لم يفقد جميع عقله فهو الذي فيه قول من قال:
لا يلزم السكران إقرار عقود بل ما جنى عتق طلاق وحدود (^٢)
فإنْ قيل: قد دلَّ القرآن على تكليف السكران في قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء/ ٤٣]؛ لأنَّ قوله: ﴿وَأَنْتُمْ
_________________
(١) (١/ ٢٢٤).
(٢) هذا في غير الطافح، وهو الذي لم يفقد كل عقله. أما الطافح فلا يلزمه شيء. وللشيخ أبيات في ذلك، وهي: لا يلزم الطافح في عقود ولا جنايات ولا حدود ومن جميع عقله لن يفقدا فهو الذي ذا البيت فيه أنشدا لا يلزم السكران. . . . . . . . . . . . . . . البيت "عطية"
[ ٤٣ ]
سُكَارَى﴾ جملة حالية، العامل فيها ﴿لَا تَقْرَبُوا﴾، وصاحبها الضمير الذي هو الواو، والمعروف في علم العربية أنَّ الحال إن كانت غير مقدرة، فوقتها هو بعينه وقت عاملها، فيلزم من ذلك أن وقت النهي عن قربان الصلاة هو وقتُ السُّكر بعينه، ونهي السكران في وقت سكره يدل على أنَّه مكلَّف.
فالجواب عن هذا الإشكال من الجهتين اللتين ذكرهما المؤلف:
الأولى: أن المراد بالنهي النهيُ عن شرب الخمر في أول الإسلام قبل تحريمها قرب أوقات الصَلاة بحيث يغلب على الظن أنها يدخل وقتها وهو سكران، لأن من شرب المسكر في وقت يظن فيه أنه يأتي وقت الصلاة وهو سكران فكأنه عالم بأنَّ صلاته تكون في وقت سكره.
ودليل هذا الوجه: أنَّ الآية لما نزلت كانوا لا يشربونها إلا في وقتين: بعد صلاة العشاء وبعد صلاة الصبح؛ لأنه يغلب على الظن أن السكران يصحو فيما بين العشاء والصبح، وفيما بين الصبح والظهر، وأما في غير ذينك الوقتين فلا يشربونها؛ لأن وقت الصلاة في غيرهما يدخل قبل صحو السكران، وهو واضح.
الثانية: أن المراد بالنهي خطابُ مَنْ وَجدَ مبادئ النشاط والطرب قبل زوال عقله؛ فإنَّه إن ابتدأ الصلاة في ذلك الوقت قد يتمكن منه السكر في أثنائها.
تنبيه:
قد أشار تعالى إلى ما يُعرف به زوال السكر، وهو أن يكون فاهمًا
[ ٤٤ ]
لما يتكلم به غير طائش عنه، وذلك في قوله: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ الآية [النساء/ ٤٣].
وأمَّا المُكْرَه: فجزم المؤلفُ ﵀ بأنَّه مكلَّف، وإطلاقه تكليفه من غير تفصيل لا يخلو من نظر، إذ الإكراه قسمان:
١ - قسمٌ لا يكون فيه المكره مكلفًا بالإجماع، كمن حلف لا يدخل دار زيد مثلًا، فقهره من هو أقوى منه، وكبَّله بالحديد، وحمله قهرًا حتى أدخله فيها، فهذا النوع من الإكراه صاحبه غير مكلَّف كما لا يخفى، إذ لا قدرة له على خلاف ما أكره عليه.
٢ - وقسمٌ هو محلُّ الخلاف الذي ذكره المؤلف، وهو ما إذا قيل له: افعل كذا مثلًا وإلا قتلتك، وجزم المؤلف بأنَّ المكره هذا النوع من الإكراه مكلَّف، وظاهر كلامه أنه لو فعل المحرَّم الذي أكره عليه هذا النوع من الإكراه لكان آثمًا، والظاهر أنَّ في ذلك تفصيلًا.
فالمكره على القتل بأن قيل: "اقتله وإلا قتلتك أنت"، لا يجوز له قتل غيره، وإن أدَّى ذلك إلى قتله هو، وأمَّا في غير حق الغير فالظاهر أنَّ الإكراه عذر يسقط التكليف، بدليل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل/ ١٠٦].
وفي الحديث: "إن اللَّه تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
والحديث وإنْ أعلَّه أحمد وابن أبي حاتم، فقد تلقاه العلماء بالقبول، وله شواهد ثابتة في الكتاب والسنة.
[ ٤٥ ]