قال المؤلف (^١) -﵀-:
(القسم الخامس: الحرام ضد الواجب).
اعلم أنَّ الحرام صفةٌ مشبهةٌ باسم الفاعل، لأنه الوصف مِنْ حَرُمَ الشيءُ فهو حرام.
_________________
(١) (١/ ٢٠٨).
[ ٢٨ ]
والحرام في اللغة: هو الممنوع. ومنه قول امرئ القيس:
جالت لتصرعني فقلتُ لها اقصري إني امرؤ صرعي عليك حرام
وقول الآخر:
حرامٌ على عينيَّ أن تطعما الكرى وأن تَرْقآ حتى ألاقيك يا هند
وقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص/ ١٢]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [المائدة/ ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الأنبياء/ ٩٥] الآيات.
وقوله: "ضد الواجب" يعني أنَّ الحرام في الاصطلاح: هو ما في تركه الثواب وفي فعله العقاب.
وإن شئت قلت: ما نهي عنه نهيًا جازمًا.
وقول المؤلف (^١) -﵀-:
(فيستحيل أنْ يكون الشيء الواحد واجبًا حرامًا، طاعة ومعصية، من وجهٍ واحد، إلا أن الواحد بالجنس ينقسم إلى واحد بالنوع، وإلى واحد بالعين، أي بالعدد. . .) الخ.
إيضاحُ معنى كلامه -﵀- أنَّ الوحدة ثلاثة أقسام:
١ - وحدة بالجنس.
_________________
(١) (١/ ٢٠٨).
[ ٢٩ ]
٢ - وحدة بالنوع.
٣ - وحدة بالعين.
أما الوحدةُ بالجنس أو النوع فلا مانع من كون بعض أفراد الواحد بهما حرامًا وبعضها حلالًا، بخلاف الوحدة بالعين، فلا يمكن أن يكون فيها بعض الأفراد حرامًا وبعضُها حلالًا.
مثال الوحدة بالجنس: وحدة البعير والخنزير؛ لأنهما يشملُهما جنسٌ واحدٌ هو الحيوان، فكلاهما حيوان، فهما متحدان جنسًا، ولا إشكال في حرمة الخنزير وإباحة البعير.
ومثال الوحدة بالنوع: السجود؛ فإنه نوع واحد، فالسجود للَّه والسجود للصنم يدخلان في نوع واحدٍ هو اسم السجود، ولا إشكال في أن السجود للصنم كفر، وللَّه قربة، كما قال تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ [فصلت/ ٣٧].
ومثال الوحدة بالعين عند المؤلف -﵀-: الصلاة في الأرض المغصوبة، فلا يمكن عنده أن يكون بعض أفرادها حرامًا وبعضها مباحًا.
وإيضاحُ مراده: أن المصلي في الدار المغصوبة إذا قام إلى الصلاة شغل بجسمه الفراغ الذي هو كائن فيه، وشَغْلُه الفراغَ المملوك لغيره بجسمه تعدِّيًا غصبٌ، فهو حرامٌ، فهذا الركن الذي هو القيام غصبٌ، فهو حرامٌ، فإذا ركع شغل الفراغ الذي هو كائنٌ فيه في ركوعه، وإذا
[ ٣٠ ]
سجد شغل الفراغ الذي هو كائن فيه في سجوده، وهكذا، وشَغْلُ الفراغ المملوك لغيره تعدِّيًا غصبٌ، فلا يمكن أنْ يكون قربة؛ لامتناع كون الواحد بالعين واجبًا حرامًا، قربةً معصيةً، لاستحالة اجتماع الضدَّين في شيءٍ واحدٍ من جهةٍ واحدة؛ فيلزم بطلان الصلاة المذكورة.
ومنع هذا القائلون بصحة الصلاة في الأرض المغصوبة، وهم الجمهور، قالوا: الصلاة في الأرض المغصوبة فعلٌ له جهتان، والواحد بالشخص يكون له جهتان هو طاعةٌ من إحداهما ومعصيةٌ من إحداهما، فالصلاة في الأرض المغصوبة من حيث هي صلاةٌ قربةٌ، ومن حيث هي غصبٌ معصيةٌ، فله صلاته وعليه غصبه.
فيقول من قال ببطلانها: الصلاة في المكان المغصوب ليست من أمرنا، فهي ردٌّ، للحديث الصحيح: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد".
فيقول خصمُه: الصلاةُ في نفسها من أمرنا، فليست بردٍّ، وإنَّما الغصبُ هو الذي ليس من أمرنا فهو ردٌّ.
واعلم أن حاصل أقوال العلماء في الصلاة في المكان المغصوب أربعة مذاهب:
الأول: أنها باطلة يجب قضاؤها، وهو أصح الروايتين عن الإمام أحمد -﵀-.
الثاني: أنها باطلة ولا يجب قضاؤها؛ لأنَّ النهي يقتضي البطلان؛
[ ٣١ ]