هذا الدليل قائلًا: إنه لم ينعقد فيه إجماع، وإنه لا مانع من قصد الحائض الأداء بأمر جديد.
وعليه -أي الخلاف في ذلك- درج في المراقي بقوله:
وهو في وجوب قصد للأدا أو ضده لقائل به بدا
والاكتفاء بانعقاد سبب الصوم -مثلًا- في وجوب القضاء، وإن منع من تمام الوجوب مانع كالحيض، هو مراد المؤلف بقوله (^١):
(ولا يمتنع وجوب العبادة في الذمَّة بناء على وجود السبب مع تعذُّرِ فعلها، كما في النائم والناسي، وكما في المحدث تجب عليه الصلاة مع تعذر فعلها منه في الحال، وديون الآدميين تجب على المعسر مع عجزه عن أدائها) وهذا واضحٌ كما ترى.
وأمَّا العزيمة فقد عرَّفها المؤلف ﵀ في اللغة بقوله (^٢): (العزيمة في اللسان: القصدُ المؤكد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه/ ١١٥] ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران/ ١٥٩]).
وعرفَّها -أيضًا- في عرف حملة الشرع بقوله (^٣): (فالعزيمة الحكمُ الثابتُ من غير مخالفةِ دليلٍ شرعيٍّ. وقيل: ما لزم بإيجاب اللَّه تعالى).
والتعريفُ الأولُ أكمل؛ لأنَّ العزيمة تشملُ الواجب والمندوب
_________________
(١) (١/ ٨٢٥).
(٢) (١/ ٢٥٨).
(٣) (١/ ٢٥٩).
[ ٧١ ]
والحرام والمكروه.
وكثير من أهل الأصول يُطْلِقُ اسم العزيمة على كل ما ليس برخصةٍ كما سيأتي.
وأما الرُّخصة فهي في اللغة: النعومة واللِّين، ومنه قول عمرو بن كلثوم:
وثَدْيًا مثل حق العاج رخصًا حصانًا من أكف اللامسينا
وعرَّفها المؤلف لغة بأنها السهولة واليسر، قال (^١): (ومنه رخص السعر إذا تراجع وسهل الشراء).
وعرَّفها في اصطلاح أهل الأصول بأنها: (استباحة المحظور مع قيام الحاظر. وقيل: ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح) (^٢).
وهذا التعريف الأخير الذي حكاه بقيل أجود من الأول.
ومثاله: إباحة الميتة للمضطر، ففيها استباحة المحظور الذي هو أكل الميتة مع قيام الحاظر أي المانع الذي هو خبث الميتة الذي حُرِّمت من أجله، وهو -أيضًا- ثابت على خلاف دليل شرعيِّ هو ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة/ ٣] لمعارضٍ راجح، كقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ الآية [المائدة/ ٣] ونحوها من الآيات.
_________________
(١) (١/ ٢٥٨).
(٢) (١/ ٢٥٩).
[ ٧٢ ]
ومن أجود تعاريف الرُّخصة، ما عرُّفها به بعضُ أهل الأصول من أنَّها: هي الحكم الشرعي الذي غُيِّر من صعوبة إلى سهولةٍ لعذرٍ اقتضى ذلك، مع قيام سبب الحكم الأصلي.
فخرج بالتغيير ما كان باقيًا على حكمه الأصلي، كالصلوات الخمس، وخرج بالسهولة نحو حرمة الاصطياد بالإحرام بعد إباحته قبله، لأنه تغيير من سهولة إلى صعوبة، وكذلك الحدود والتعازير، مع تكريم (^١) الآدمي المقتضي للمنع من ذلك قبل وروده.
وخرج بالعذر ما تغيَّر من صعوبة إلى سهولة لا لعذر، كترك تجديد الوضوء لكل صلاة، فإنَّ التجديد لكل صلاة كان لازمًا ثم غير إلى سهولةٍ هي أنَّه يصلي بوضوء واحد كلَّ الصلوات ما لم يُحْدِث، إلا أن هذا التغيير لا يسمى رخصة اصطلاحًا، لأنه لم يكن لعذر جديد.
وخرج بقيام سبب الحكم الأصلي النسخُ، كتغيير إيجاب مصابرة المسلم الواحد العشرة من الكفارِ بمصابرة اثنين منهم فقط المنصوص في أخريات الأنفال؛ لأنَّ الحكم الأصليَّ الذي هو مصابرة العشرة كان في أول الإسلام لقلة المسلمين وكثرة الكافرين، وفي وقت النسخ زال هذا السبب بكثرة المسلمين، وكذلك ما لو قطع من إنسان بعض أعضاء الوضوء فإن غسله يسقط عنه وجوبه ولا يسمى رخصة؛ لأن سبب الحكم الأصلي وجود محله وقد زال هنا بقطعه.
_________________
(١) أي أن إكرام الآدمي حق له، فتغير هذا الحق بصعوبة، وهو التعزير، فليس ذلك رخصة. "عطية"
[ ٧٣ ]
وعرَّف صاحب المراقي الرخصة والعزيمة بقوله:
للعذر والرخصة حكمٌ غُيِّرا إلى سهولةٍ لعذر قُرِّرا
مع بقاء علة الأصلي وغيرها عزيمة النبي
وقد ذكر المؤلف -﵀- في هذا المبحث أنَّ إباحة التيمم إنْ كانت مع القدرة على استعمال الماء لمرضٍ أو لزيادة ثمنٍ سميت رخصة، وإن كانت مع العجز عنه كعدم الماء فلا تسمى رخصة؛ لأنّ سبب الحكم الأصلي وهو وجود الماء زائل هنا، فلا تكليف بمعجوز عنه. وهو ظاهر.
والأكثرون على أنَّ إباحة الميتة للمضطر رخصة وإنْ وجب عليه الأكل لإحياء نفسه، لأنَّ الرخصة قد تجبُ كما هنا، وسميت رخصة لما فيها من التسهيل عليه بالإذن في أكل الميتة، ولم يضيق عليه بإلزامه ترك الأكل منها حتى يموت. وقيل: من جهة التوسيع رخصة، ومن جهة وجوب الأكل عزيمة، والواحد بالشخص له جهتان كما تقدم.
وذكر المؤلف في هذا المبحث أيضًا ما خلاصتُه: أنَّ الصورة المخرجة من العموم بمخصص إن كانت توجد فيها علة الحكم العام تسمى رخصة، وإن كانت لا توجد فيها لا تسمى رخصة.
مثال ما وجدت فيه علة الحكم العام من صور التخصيص: مسألة بيع العرايا؛ لأنَّ بيع الرطب بالتمر اليابس فيها داخل في عموم أدلة النهي عن المزابنة، وعلة تحريم المزابنة التي هي عدم تحقق المماثلة الواجب تحققها في التمر بالتمر إجماعًا موجودة في الصورة المخرجة
[ ٧٤ ]
من حكم العام بدليل خاص، وهي إباحة بيع العرايا المذكور.
ومثال ما لم توجد فيه علة العام: إباحة رجوع الأب فيما وهب لابنه، فإنه داخل في عموم المنع في حديث الواهب: "العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه" ولكنه خرج بدليل خاص، وعلةُ المنع غيرُ موجودةٍ في الأب؛ لأنَّ الأبوة تجعل له من التسلط على ما تحت يد الولد ما لم يكن لغيره.
وناقش بعضُ العلماء في الفرق بينهما، وقال: لا فرق بين المسألتين.
* * *
[ ٧٥ ]