الاحتجاج به مع الجزم بأنَّه ليس قرآنًا؟
قال جمع من أهل الأصول: لا يجوز الاحتجاج به؛ لأنَّه رواه على أنه قرآن، فلمَّا بطل كونه قرآنًا بطل الاحتجاج به من أصله.
وقال قوم: يجوزُ الاحتجاج به كأخبار الآحاد؛ لأنَّه لا يخرج عن كونه مسموعًا من النبي -ﷺ- ومرويًّا عنه، وهذا هو اختيار المؤلف، وعليه فلا مانع من أخذ لزوم التتابع في صوم كفارة اليمين من قراءة ابن مسعود: (متتابعات)، وإن جزمنا أنها ليست من القرآن.
تنبيه:
الأشياء التي لابدَّ منها في ثبوتِ القرآن ثلاثة عند بعضهم، ونظمها ابنُ الجزري بقوله:
وكل ما وافق وجهًا نحوي وكان للرسم احتمالًا يحوي
وصح إسنادًا هو القرآن فهذه الثلاثة الأركان
والجمهور يشترطون فيه التواتر.
فصل
قال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(والقرآنُ يشتملُ على الحقيقة والمجاز، وهو اللفظ المستعمل في غير موضعه الأصلي على وجه يصح، كقوله: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ
_________________
(١) (١/ ٢٧٢ - ٢٧٣).
[ ٨٣ ]
مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء/ ٢٤]، ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف/ ٨٢]، ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف/ ٧٧]، ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء/ ٤٣] و[المائدة/ ٦]، ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى/ ٤٠]، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة/ ١٩٤]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ [الأحزاب/ ٥٧] أي أولياء اللَّه، وذلك كله مجاز؛ لأنه استعمال اللفظ في غير موضعه، ومن منع فقد كابر، ومن سلَّم وقال: لا أسميه مجازًا فهو نزاع في عبارة لا فائدة في المشاحة فيه).
معنى كلامه واضحٌ ظاهر.
واعلم أنَّ ممن منع القول بالمجاز في القرآن ابنُ خويز منداد من المالكية، وأبا الحسن الخرزي البغدادي الحنبلي، وأبا عبد اللَّه بن حامد، وأبا الفضل التميمي، وداود بن علي، وابنه أبا بكر، ومنذر بن سعيد البلوطي وألف فيه مصنفًا، وقد بينَّا أدلة منعه في القرآن في رسالتنا المسماة "منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز".
ومن أوضح الأدلة في ذلك أنَّ جميع القائلين بالمجاز متفقون على أن من الفوارق بينه وبين الحقيقة أنَّ المجاز يجوز نفيه باعتبار الحقيقة، دون الحقيقة فلا يجوز نفيها، فتقول لمن قال: رأيت أسدًا على فرسه، هو ليس بأسد وإنَّما هو رجل شجاع، والقول في القرآن بالمجاز يلزم منه أن في القرآن ما يجوز نفيه، وهو باطل قطعًا، وبهذا الباطل توصَّل المعطِّلون إلى نفي صفات الكمال والجلال الثابتة للَّه تعالى في كتابه وسنة نبيه -ﷺ-، بدعوى أنَّها مجاز، كقولهم في ﴿اسْتَوَى﴾: استولى، وقس على ذلك غيره من نفيهم للصفات عن طريق المجاز.
[ ٨٤ ]
أمَّا الآيات التي ذكرها المؤلف فلا يتعين في شيء منها أنَّه مجاز.
أما قولُه: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء/ ٢٤] فليس المراد به أنَّ للذل جناحًا، وإنْ كان كلام العلَّامة ابن القيم ﵀ يقتضيه، وظنَّ أبو تمَّام أنه معنى الآية لَّما قيل له: صُبَّ في هذا الإناء من ماء الملام، يعني قوله:
لا تسقني ماء الملام فإنني صَبٌّ قد استعذبتُ ماء بكائي
فقال: هات ريشة من جناح الذلِّ، حتى أصبَّ لك من ماء الملام.
بل المراد بالآية الكريمة كما يدلُّ عليه كلام جماعة أهل التفسير أنها من إضافة الموصوف إلى صفته، أي واخفض لهما جناحك الذليل لهما من الرحمة، ونظيره من كلام العرب قولهم: حاتم الجود، أي الموصوف بالجود، ووصفُ الجناح بالذلِّ مع أنَّه صفة الإنسان؛ لأنَّ البطش يَظْهَرُ برفع الجناح، والتواضع واللين يظهرُ بخفضه؛ فخفضُه كناية عن لين الجانب، كما قال:
وأنت الشهير بخفض الجناح فلا تك في رفعه أجدلا
ونظيره في القرآن: ﴿مَطَرَ السَّوْءِ﴾ [الفرقان/ ٤٠] و﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام/ ٩٣] أي المطر الموصوف بأنَّه يسوء من وقع عليه، والعذاب الموصوف بوقوع الهون على من نزل به.
وإضافة صفة الإنسان لبعض أجزائه أسلوب من أساليب اللغة العربية، كما قال هنا: ﴿جَنَاحَ الذُّلِّ﴾، مع أن الذليل صاحب الجناح.
[ ٨٥ ]
ونظيره قوله تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦)﴾ [العلق/ ١٦] والمراد صاحب الناصية التي هي مقدم شعر الرأس، وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣)﴾ [الغاشية/ ٢، ٣] مع أنَّ تلك الصفات لأصحاب الوجوه.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ فيه حذفُ مضافٍ، وحذفُ المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أسلوبٌ من أساليب اللغة معروف، عقده في الخلاصة بقوله:
وما يلي المضاف يأتي خلفا عنه في الاعراب إذا ما حُذِفا
والمضافُ المحذوف مدلولٌ عليه بدلالة الاقتضاء، وهي عند جماهير الأصوليين دلالةُ التزام، وليست من المجاز عندهم، كما هو معروف في محلَّه.
وقوله: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ لا مجاز فيه؛ إذْ لا مانع من حمل الإرادة في الآية على حقيقتها؛ لأنَّ للجمادات إرادات حقيقية يعلمها اللَّه جل وعلا، ونحن لا نعملها.
ويوضح ذلك حنين الجذع الذي كان يخطبُ عليه -ﷺ- لمَّا تحوَّل عنه إلى المنبر، وذلك الحنين ناشئ عن إرادة يعلمها اللَّه تعالى.
وقد ثبت في صحيح مسلم أنَّ النبي -ﷺ- قال: "إني لأعرف حجرًا كان يسلمُ عليَّ في مكة".
وسلامه عليه عن إرادة يعلمُها اللَّه، ونحن لا نعلمُها، كما صرَّح اللَّه تعالى بذلك في قوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا
[ ٨٦ ]
تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء/ ٤٤]، فصرَّح بأننا لا نفقهه، وأمثال ذلك كثيرة في الكتاب والسنة.
وكذلك لا مانع من كون الإرادة تطلق في اللغة على معناها المعروف، وعلى مقاربة الشيء والميل إليه، فيكون معنى إرادة الجدار: ميله إلى السقوط وقربه منه، وهذا أسلوب عربي معروف، ومنه قول الراعي:
في مَهْمَهٍ قَلِقَتْ به هاماتها قلق الفؤوس إذا أردن نُصولا
وقول الآخر:
يريد الرمح صدر أبي براء ويعدل عن دماء بني عقيل
وكذلك قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ لا مجاز فيه، بل إطلاق اسم المحل على الحالِّ فيه وعكسه كلاهما أسلوب معروف من أساليب اللغة العربية، وكلاهما حقيقة في محله، كما أقروا بنظيره في أن نسخ العرف للحقيقة اللغوية لا يمنع من إطلاق اسم الحقيقة عليه، فيسمونه حقيقة عرفية.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ الآية، لا مجاز فيه، وبذلك اعترف أكثر علماء البلاغة، حيث عدُّوا هذا النوع من البديع وسموه باسم المشاكلة، ومعلوم أن المجاز من فن البيان لا من فن البديع، فأكثرهم قالوا: إنَّ المشاكلة من البديع، كقوله:
قالوا اقترح شيئًا نجد لك طبخه قلت اطبخوا لي جبة وقميصًا
[ ٨٧ ]
والحق أنَّ هذا أسلوب من أساليب اللغة، ومنه الآيتان، نعم زعم قوم من علماء البلاغة أن المشاكلة من علاقات المجاز المرسل، فسموا ما استعمل في غير معناه عندهم للمشاكلة مجازًا.
وأما تفسيره ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ بقوله: يؤذون أولياءه، فليس بصحيح، بل معنى إيذائهم اللَّه كفرهم به وجعلهم له الأولاد والشركاء وتكذيبهم رسله، ويوضح ذلك حديث "ليس أحد أصبر على أذى يسمعه من اللَّه، إنهم يدعون له ولدًا، وإنه ليعافيهم ويرزقهم".
وأكثر المتأخرين على أنَّ في الآيات التي ذكرها المؤلف مجازًا، كما هو معروف، وقد بينا منع القول بالمجاز في القرآن في رسالتنا التي ألفناها في ذلك.
وقول المؤلف (^١) في تعريف المجاز: (وهو اللفظ المستعملُ في غير موضعه الأصلي على وجه يصح).
يعني بقوله: (على وجه يصح) أنْ تكون هناك علاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المجازي، وأن تكون ثَمَّ -أيضًا- قرينة صارفة عن قصد المعنى الأصلي.
وتعريفه للمجاز لا يدخل فيه إلا اثنان من أنواع المجاز الأربعة، وهما: المجاز المفرد، وهو عندهم الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له لعلاقة مع قرينة صارفة عن قصد المعنى الأصلي، والعلاقة
_________________
(١) (١/ ٢٧٢).
[ ٨٨ ]
إن كانت المشابهة: "كقولك رأيت أسدًا يرمي" سُمِّي هذا النوعُ من المجاز استعارة، وحدُّ الاستعارة: مجاز علاقته المشابهة، وإن كانت علاقته غير المشابهة كالسببية والمسببية، ونحو ذلك، سمي مجازًا مفردًا مرسلًا، كقول الشاعر:
أكلتُ دمًا إن لم أرعك بضرة بعيدة مهوى القرط طيبة النشر
أطلق الدمَ وأراد الدية مجازا مرسلًا علاقته السببية؛ لأن الدية المعبر عنها بالدم سببها الدم وهي مسبب له.
الثاني من النوعين اللذين دخلا في كلامه: المجاز المركب، وضابطه: أن يستعمل كلام مفيد في معنى كلام مفيد آخر، لعلاقة بينهما، ولا نظر فيه إلى المفردات، فقد تكون حقائق لغوية، وقد تكون مجازات مفردة، وقد يكون بعضها مجازًا وبعضها حقيقة، وعلاقته إن كانت المشابهة فهو استعارة تمثيلية، ومنها جميع الأمثال السائرة، والمثل يحكي بلفظه الأول، ومثالُه قولك لمن فرط في أمر وقت إمكان فرصته، ثم بعد أن فات إمكان فرصته جاء يطلبه: (الصيف ضيعتِ اللبن).
وأصل المثل أن امرأة من تميم خطبها رجلان أحدهما كبير في السن وله مواشي كثيرة، والثاني شاب وماشيته قليلة، واختارت الشاب وكانت الخطبة زمن الصيف، ثم طلبت بعد ذلك من الكبير الذي ردت خطبته لبنًا فقال لها: (الصيف ضيَّعتِ اللبن).
وهذا الاستعمال لعلاقة المشابهة بين مجموع الصورتين، وإنْ
[ ٨٩ ]
كانت علاقته غير المشابهة سمي مجازًا مركبًا مرسلًا كقوله:
هواي مع الركب اليمانين مصعدٌ جنيبٌ وجثماني بمكة مُوثَقُ
فالبيت كلام خبريٌّ أريد به إنشاءُ التحسر والتأسف؛ لأنَّ ما أخبر به عن نفسه هو سبب التحسر والتأسف، وهو مجازٌ مركب مرسل، علاقتُه السببية؛ لأنَّه لم يقصد بهذا الخبر فائدة الخبر، ولا لازم فائدته.
والنوعان اللذان لم يدخلا في كلامه هما: المجاز العقليُّ ومجاز النقص والزيادة.
أمَّا المجازُ العقلي عندهم فالتجوزُ فيه في الإسناد خاصة، لا في لفظ المسند إليه ولا المسند، وسواء فيه كانا حقيقتين لغويتين، أو مجازين مفردين، أو أحدهما حقيقة والثاني مجازًا؛ لأنَّ التجوز فيه في خصوص الإسناد، كقول المؤمن: (أنبت الربيعُ البقلَ) فالربيع وإنبات البقل كلاهما مستعمل في حقيقته، والتجوز إنَّما هو في إسناد الإنبات إلى الربيع، وهو للَّه جلَّ وعلا عند المتكلم، وكذلك هو في الواقع.
وأنكر المجاز العقلي السكاكيُّ وردَّه إلى الاستعارة المكنية.
وأمَّا مجازُ النقص والزيادة فمداره عندهم على وجود زيادة أو نقص يُغيِّران الإعراب.
ومثال النقص -عندهم-: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف/ ٨٢]. وهذا المثال ذكره المؤلف مع أنه لم يدخل في تعريفه للمجاز؛ لأنَّ جميع ألفاظه مستعملة فيما وضعت له، والتجوز من جهة الحذف المغيِّر للإعراب.
[ ٩٠ ]