بإجماع المسلمين لأنَّه جائز ذاتيٌّ، لا مستحيل ذاتي.
والأقسام بالنظر إلى تعلق العلم قسمان: واجب ومستحيل فقط؛ لأن العلم إما أن يتعلق بالوجود فهو واجب، أو بالعدم فهو مستحيل، ولا واسطة، والمستحيل العادي كتكليف الإنسان بالطيران إلى السماء بالنسبة إلى الحكم الشرعي كالمستحيل العقلي.
هذا هو حاصل كلام أهل الأصول في هذه المسألة، والآيةُ لا دليل فيها على جواز التكليف شرعًا بما لا يطاق؛ لأنَّ المراد بما لا طاقة به هي الآصار والأثقال التي كانت على من قبلنا؛ لأن شدة مشقتها وثقلها تنزلها منزلة ما لا طاقة به.
فصل
قال المؤلف (^١):
(والمقتضى بالتكليف فعلٌ وكفٌّ، فالفعل كالصلاة، والكفُّ كالصومِ وتركِ الزنا وشرب الخمر. . .) إلى آخره.
اعلم أنَّ اللَّه جلَّ وعلا إنَّما يُكلِّفُ بالأفعال الاختيارية، وهي باستقراء الشرع أربعة أقسامٍ:
الأول: الفعل الصريح، كالصلاة.
الثاني: فعلُ اللسان وهو القول، والدليلُ على أن القول فعلٌ قوله
_________________
(١) (١/ ٢٤١).
[ ٥٣ ]
تعالى: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام/ ١١٢].
الثالث: الترك، والتحقيقُ أنَّه فعلٌ، وهو كفُّ النفس وصرفُها عن المنهي عنه، خلافًا لمن زعم أن الترك أمر عدميٌّ لا وجود له، والعدم عبارة عن لا شيء.
والدليلُ على أن الترك فعلٌ الكتاب والسنة واللغة:
أما دلالةُ الكتاب على أن الترك فعل ففي آيات من القرآن العظيم، كقوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ [المائدة/ ٦٣].
فسمى اللَّه جل وعلا عدم نهي الربانيين والأحبار لهم صنعًا، والصنع أخصُّ مطلقًا من الفعل، فدلَّ على أنَّ ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فعلٌ، بدليل تسمية اللَّه له صنعًا.
وكقوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة/ ٧٩].
فسمَّى عدم تناهيهم عن المنكر فعلًا، وهو واضح، ولم أر من الأصوليين من انتبه لدلالة هذه الآيات على أن الترك فعل.
وقال السبكي في طبقاته: إنَّ قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان/ ٣٠] يدلُّ على أنَّ الترك فعل. قال: لأن الأخذَ التناولُ، والمهجور المتروك، فصار المعنى: تناولوه متروكًا، أي فعلوا تركه.
[ ٥٤ ]
هكذا قال.
وأما دلالة السنة ففي أحاديث، كقوله -ﷺ-: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده".
فسمى ترك الأذى إسلامًا، وهو يدل على أن الترك فعل.
وأمَّا اللغة فكقول الراجز:
لئن قعدنا والنبيُّ يعملُ لذاك منا العمل المضلَّلُ
فمعنى "قعدنا" تركنا الاشتغال ببناء المسجد، وقد سمَّى هذا الترك عملًا في قوله: "لذاك منا العمل المضلل".
وينبني على الخلاف في الترك هل هو فعل أو لا؟ فروعٌ كثيرةٌ في المذاهب، كمن منع مضطرًّا فضل طعام أو شراب حتى مات، فعلى أن الترك فعل فإنه يضمن ديته، وعلى أنه ليس بفعل فلا ضمان عليه.
وكمن منع خيطًا ممَّن به جائفة حتى مات، ومن منع جاره فضل مائه حتى هلك زرعه، ومن منع صاحب جدار خاف سقوطه عُمُدًا عنه حتى سقط، ومن أمسك وثيقة حق حتى تلف الحقُّ.
وأمثال هذا كثيرة جدًّا في الفروع.
فعلى أنَّ الترك فعل فإنَّه يضمن في الجميع، وعلى أنه ليس بفعل فلا ضمان عليه.
وأشار إلى هذا صاحب مراقي السعود بقوله:
[ ٥٥ ]
ولا يكلف بغير الفعل باعث الأنبيا ورب الفضل
فكفُّنا بالنهي مطلوب النبي والكفُّ فعل في صحيح المذهب
له فروع ذكرت في المنهج وسردها من بعد ذا البيت يجي
من شرب أو خيط ذكاة فضل ما وعمد رسم وشهادة وما
عطل ناظر وذو الرهن كذا مفرط في العلف فادر المأخذا
الرابع: العزم المصمم على الفعل، والدليل على أنه فعلٌ قوله -ﷺ- في حديث أبي بكرة الثابت في الصحيح: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار". قالوا: يا رسول اللَّه قد عرفنا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنَّه كان حريصًا على قتل صاحبه".
فالحديث يدلُّ دلالة لا لبس فيها على أنَّ عزم هذا المقتول المصمم على قتل صاحبه فعل دخل بسببه النار، لأنهم قالوا له: قد عرفنا القاتل، أي عرفنا الموجب الذي دخل بسببه النار وهو قتل المسلم، فما بال المقتول، أي ما تشخيص الذنب الذي دخل بسببه النار؛ لأنه لم يحصل منه قتل بالفعل؟ فأجابهم -ﷺ- بأن سبب دخوله النار هو حرصُه على قتل صاحبه.
فدلَّ ذلك بدلالة الإيماء والتنبيه على أنَّ حرصه على قتل صاحبه، هو الفعلُ الذي دخل بسببه النار، كما هو واضح.
وقولُ المؤلف ﵀ في هذه المسألة: (والمقتضَى بالتكليف) هو بفتح الضاد بصيغة اسم المفعول، أي الشيء المقتضى بالتكليف
[ ٥٦ ]