قال المؤلف (^١): (الثاني: المندوب).
خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المبحث أنَّ المندوب هو ما في فعله الثواب، وليس في تركه عقاب.
وهذا أجود التعريفين اللذين ذكرهما المؤلف.
وإن شئت قلت: ما أُمِرَ به أمرًا غير جازم.
والتحقيق أنَّ المندوب مأمورٌ به؛ لأنَّ الأمر قسمان:
١ - أمر جازم، أي في تركه العقاب، وهو الواجب.
_________________
(١) (١/ ١٨٩).
[ ١٩ ]
٢ - وأمر غير جازم، أي لا عقاب في تركه، وهو المندوب.
والدليل على شمول الأمر للمندوب قوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج/ ٧٧]. أي ومنه المندوب.
﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [لقمان/ ١٧] أي ومنه المندوب.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل/ ٩٠] أي ومن الإحسان وإيتاء ذي القربى ما هو مندوب.
واحتجَّ من قال: إنَّ الندب غير مأمور به بقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور/ ٦٣]، قالوا: في الآية التوعدُ على مخالفة الأمر بالفتنة والعذاب الأليم، والندبُ لا يستلزمُ تركه شيئًا من ذلك.
وبحديث: "لولا أنْ أشقَّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كلَّ صلاة" مع أنه ندبهم إلى السواك، قالوا: فدلَّ ذلك على أنَّ الندب غير مأمور به.
والجوابُ أنَّ الأمر في الآية والحديث المذكورين يراد به الأمرُ الواجب، فلا ينافي أن يطلق الأمر -أيضًا- على غير الواجب، وقد قدَّمنا أنَّ الأمر يطلق على هذا وهذا.
وزعمُ من قال إنَّ الندب تخييرٌ؛ بدليل جواز تركه، والأمر استدعاءٌ وطلب، والتخيير والطلب متنافيان = زعمٌ غير صحيح؛ لأن الندب ليس تخييرًا مطلقًا؛ بدليل أن الفعل فيه أرجحُ من الترك؛ للثواب في فعله وعدم الثواب في تركه، ولأنَّ المندوب -أيضًا- مطلوبٌ إلا أنَّ
[ ٢٠ ]
طلبه غير جازم.
والندب في اللغة: الدعاءُ إلى الفعل. ومنه قوله:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانًا
والثواب في اللغة: الجزاء مطلقًا. ومنه قوله:
لكلِّ أخي مدحِ ثوابٌ علمته وليس لمدح الباهلي ثوابُ
أي جزاء.
وزَعْمُ أنَّ الثواب يختصُّ بجزاء الخير بالخير غيرُ صحيح، بل يطلق الثواب أيضًا على جزاء الشرِّ بالشرِّ في اللغة، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ الآية [المائدة/ ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ [المطففين: ٣٦].
والعقابُ في اللفة التنكيل على المعصية. ومنه قولُ النابغة الذبياني:
ومن عصاكَ فعاقِبْهُ معاقبةً تنهى الظلومَ ولا تقعد على ضَمَدِ