ولأنَّ السلف لم يكونوا يأمرون بقضاء الصلاة في المكان المغصوب، وممن قال به الباقلاني، والرازي. ولا يخفى بُعْدُه.
الثالث: أنَّها صحيحة، وهي رواية أخرى عن أحمد، وعليه الجمهور منهم مالك والشافعي وأكثر أهل العلم، وأكثرهم على أنها صحيحة لا أجر فيها، كالزكاة إذا أخذت منه قهرًا.
والرابع: أنها صحيحة، وله أجر صلاته وعليه إثم غصبه. وهذا أقيس.
فصل
قال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(مصححوا الصلاة في الدار المغصوبة قسَّموا النهي ثلاثة أقسام. . .) إلى آخره.
اعلم أنَّ حاصل كلام أهل الأصول في هذه المسألة أنَّ المنهي عنه إمَّا أن تكون جهة النهي فيه منفردةً، أعني أنه لم تكن له جهة أخرى مأمور به منها، كالشرك باللَّه والزنا، فإن النهي عنهما لم يخالطه أمر من جهة أخرى، وهذا النوع واضح لا إشكال في أنه باطل على كل حال.
وإمَّا أن يكون له جهتان: جهة مأمور به منها، وجهة منهي عنه منها. وهم يقولون في مثل هذا: إن انفكت جهة الأمر عن جهة النهي فالفعل صحيح، وإن لم تنفك عنها فالفعل باطل. لكنهم عند التطبيق
_________________
(١) (١/ ٢١٣).
[ ٣٢ ]
يختلفون:
فيقول الحنبليُّ: الصلاةُ في الأرض المغصوبة منهي عنها من جهة الغصب، مأمور بها من جهة الصلاة، إلا أنَّ الجهة هنا غير منفكة، لأن نفس الحركة في أركان الصلاة عين شغل الفراغ المملوك لغيره تعديًا، وذلك عين الغصب، فأفعال الصلاة لا تنفك عن كونها غصبًا، والصلاة يشترط فيها نية التقرب، وتلك الأفعال التي هي شغل الفراغ المملوك لغيره غصبٌ لا يمكن فيه نية التقرب، إذ لا يمكن أن يكون متقربًا بما هو عاصٍ به.
أما إذا انفكت الجهة فالفعل صحيح، كالصلاة بالحرير، فإنَّ الجهة منفكة؛ لأن لبس الحرير منهي عنه مطلقًا في الصلاة وغيرها، فالمصلي بالحرير صلاته صحيحة، وعليه إثم لبسه الحرير.
فيقول المالكي والشافعي مثلًا: لا فرق البتة بين الصلاة في المكان المغصوب وبين الصلاة بالحرير، فالغصب -أيضًا- حرامٌ في الصلاة وفي غيرها، فصلاته صحيحة، وعليه إثم غصبه.
ويقول المالكي -مثلًا-: مثال الجهة غير المنفكة صوم يوم العيد أو الفطر؛ لأن الصائم فيهما معرض عن ضيافة اللَّه، لأن الصوم إمساك، وهذا الإمساك هو بعينه الإعراض عن ضيافة اللَّه، لأن الإعراض عنهما هو الامتناعُ عن الأكل والشرب، فلا يمكن انفكاك الجهة.
فيقول الحنفي: الجهة منفكة -أيضًا-؛ لأن الصوم من حيث إنه
[ ٣٣ ]
صومٌ قربةٌ، ومن حيث كونه في يوم العيد منهيٌّ عنه، فالجهة منفكة، ولذا لو نذر أحد أن يصوم يوم العيد فنذره عنده صحيح منعقد، ويلزمه صيام يوم آخر غير يوم العيد بناء على انفكاك الجهة عنده.
وقول المؤلف (^١) -﵀- في هذا المبحث: (قسَّموا النهي إلى ثلاثة أقسام).
إيضاح معناه: أنَّ المنهيَّ عنه إمَّا أن يكون النهي عنه لذاته، أو لوصفه القائم به، أو لخارج عنه، زاد بعض المحققين قسمًا رابعًا: وهو أن المنهيَّ عنه لخارج عنه قد تكون فيه جهة النهي غير منفكة عن جهة الأمر، وقد تكونُ منفكة عنها، فتكون الأقسام أربعة.
مثال المنهي عنه لذاته: الشرك والزنا، ومثال المنهي عنه لوصفه القائم به: الخمر بالنسبة إلى الإسكار، ومثَّل له المؤلف بالصلاة في حالة السُّكر؛ لأنَّها منهي عنها لوصف السُّكر القائم بالمصلي، ومثال المنهي عنه لخارج غير لازم: الصلاة بالحرير، ومثال المنهي عنه لخارج لازم عند المؤلف: الصلاة في المكان المغصوب.
والنهي يقتضي البطلان في ثلاثة منها، وهي: ما نهي عنه لذاته، أو لوصفه القائم به، أو لخارج عنه لازمٍ له لزومًا غير منفك.
أمَّا الرابع فلا يقتضي البطلان، وهو ما كان النهي عنه لخارج غير لازم.
_________________
(١) (١/ ٢١٣).
[ ٣٤ ]