وقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس/ ٦٠]، ونحو ذلك من الآيات.
وقد دلَّ القرآنُ على أنَّ من يحكم غير شرع اللَّه، يتعجب من دعواه الإيمان، وإذا كان زعمه أنَّه مؤمنٌ مع تحكيم غير الشرع أمرًا يتعجب منه، دلَّ ذلك على أنَّ دعواه الإيمان دعوى كاذبة وبعيدة وعجيبة، وذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء/ ٦٠].
وقول المؤلف (^١): (الإجماعُ يدلُّ على السنة. . .) إلى آخره، يأتي إيضاحه في الإجماع.
فصل
قال المؤلف (^٢) -رحمه اللَّه تعالى-:
(وكتاب اللَّه سبحانه هو كلامه، وهو القرآن الذي نزل به جبريل ﵇ على النبي -ﷺ-. . .) إلى آخره.
اعلم أنَّ هذا القرآن المكتوب في المصاحف الذي أوله سورة الفاتحة وآخره سورة الناس، هو كلام اللَّه تعالى بألفاظه ومعانيه، كما صرَّح تعالى بأن هذا المسموع هو كلام اللَّه في قوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ
_________________
(١) (١/ ٢٦٤).
(٢) (١/ ٢٦٦).
[ ٧٨ ]
الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة/ ٦]، فصرَّح بأنَّ هذا الذي يسمعه هذا المشرك المستجير هو كلام اللَّه، فالكلام كلام الباري، والصوتُ صوت القاري.
وما يزعمه بعضُهم من تجريد كلامه جلَّ وعلا عن الحروف والألفاظ، وأنَّ التوراة هي القرآن والإنجيل، وأنَّ القرآن هو التوراة والإنجيل، وأنَّ الاختلاف إنما هو بحسب التعلق فقط، كلُّ ذلك باطل، ومخالف لما عليه أهل الحقِّ.
فالقرآن هو بألفاظه ومعانيه كلام اللَّه، ومن ادعى أنَّ تأليف لفظه من فعل مخلوف عبَّر عن تلك المعاني القائمة بالذات بعبارةٍ من نفسه، وأنَّ اللَّه خلق له علمًا بذلك، فعبرَّ عنه من تلقاء نفسه، فهذا من أبطل الباطل، ولو كان اللفظ لمخلوق لما جاز التعبد به، والتقرب إلى اللَّه بالصلاة به، ولجاز حمل المحدث له كسائر كلام المخلوقين، إلى غير ذلك.
فالحاصلُ أنَّ هذا القرآن المحفوظ في الصدور، المقروء بالألسنة، المكتوب في المصاحف، هو كلام اللَّه تعالى بألفاظه ومعانيه، تكلَّم به اللَّه تعالى فسمعه جبريل منه، وتكلم به جبريل فسمعه النبي -ﷺ- منه، وتكلَّم به النبي -ﷺ- فسمعته منه أمته وحفظته عنه، فالكلام كلام الباري والصوت صوت القاري، قال اللَّه تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة/ ٦].
وعرَّف القرآن في "المراقي" بقوله:
[ ٧٩ ]
لفظٌ منزَّل على محمد لأجل الاعجاز وللتعبد
فصرَّح بأنَّ القرآن لفظ، أي مشتمل على تلك المعاني العظيمة، لا مجرد المعنى القائم بالذات المجرَّد عن الألفاظ والحروف.
والكتابُ هو القرآن بلا شكَّ، ومن ادَّعى أنَّه غيره كما نسبه المؤلف لقوم، فإنَّ مقصودهم بالتغاير تغاير المفهوم لا تغاير المصدوق، فإنَّ ما يصدق عليه القرآنُ هو ما يصدق عليه الكتاب، وهو هذا القرآن العظيم، وإنْ كان التغاير حاصلًا في مفهومهما، فإنَّ مفهوم الكتابة هو اتصاف هذا القرآن بأنه مكتوب، ومفهوم القرآن هو اتصافه بأنه مقروء، والكتابةُ غير القراءة بلا شك، ولكن ذلك الموصوف بأنه مكتوب هو بعينه الموصوف بأنَّه مقروء، فهو شيء واحد موصوف بصفتين مختلفتين، ومن هنا ظهر لك أن القرآن والكتاب واحد باعتبار المصدوق، وإن تغاير باعتبار المفهوم.
وكتابُ اللَّه هو ما نقل إلينا بين دفتي المصحف نقلًا متواترًا، ولا خلاف بين العلماء في قراءة السبعة: نافع المدني، وابن كثير المكي، وابن عامر الشامي، وأبي عمرو البصري، وعاصم وحمزة والكسائي الكوفيين، وكذلك على الصحيح قراءة الثلاثة: أبي جعفر، وخلف، ويعقوب.
قال في "المراقي":
مثل الثلاثة ورجح النظر تواترًا لها لدى من قد غبر
تواتر السبع عليه أجمعوا ولم يكن في الوحي حشو يقع
[ ٨٠ ]