اعلم أنَّه -﵀- ترجم هذه الترجمة التي لفظها (حقيقة الحكم وأقسامه) ولم يبين حقيقة الحكم ولا أقسامه، وإنَّما ذكر منها الأقسام الشرعية فقط، ونحن نبين كل ذلك إن شاء اللَّه تعالى.
اعلم أنَّ الحكم في اللغة: هو المنع. ومنه قيل للقضاء: حكم؛ لأنه يمنع من غير المَقْضِيِّ.
تقول: حَكَمَه كنَصَرَه، وأحكمه كأكرمه، وحكَّمه بالتضعيف بمعنى منعه. ومنه قول جرير:
أَبَنِي حنيفة أَحْكِمُوا سفهاءكم إني أخافُ عليكمُ أن أغضبا
وقول حسان بن ثابت ﵁:
لنا في كل يومٍ مِن مَعَدٍّ سبابٌ أو قتالٌ أو هجاءُ
فنحكم بالقوافي مَنْ هجانا ونضرب حين تختلط الدماءُ
ومن الحكم بمعنى المنع: حَكَمَةُ اللجام، وهي ما أحاط بحنكي الدابة، سُمِّيَتْ بذلك لأنَّها تمنَعها من الجري الشديد.
والحَكَمةُ أيضًا: حديدة في اللجام تكون على أنف الفرس وحنكه، تمنعه من مخالفة راكبه، وكانت العرب تتخذها من القِدِّ والأبق وهو القنب. ومنه قول زهير:
[ ٥ ]
القائد الخيل منكوبًا دوابرها قد أحكمت حكمات القِدِّ والأبقا
والحكم في الاصطلاح هو: إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه. نحو: زيد قائم وعمرو ليس بقائم.
وهو ينقسم بدليل الاستقراء إلى ثلاثة أقسام:
١ - حكم عقلي: وهو ما يعرف فيه العقلُ النسبةَ إيجابًا أو سلبًا. نحو: الكل أكبر من الجزء إيجابًا. الجزء ليس أكبر من الكل سلبًا.
٢ - حكم عادي: وهو ما عرفت فيه النسبة بالعادة. نحو: السيقمونيا مسهل للصفراء، والسكنجبين مسكن لها.
٣ - حكم شرعي: وهو المقصود، وحَدَّه جماعة من أهل الأصول بأنه: خطاب اللَّه المتعلق بفعل المكلف من حيث إنه مكلف به.
فخرج بقوله: "خطاب اللَّه" خطاب غيره؛ لأنه لا حكم شرعيًّا إلا لله وحده جلَّ وعلا، فكل تشريع من غيره باطل، قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام/ ٥٧]، ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى/ ١٠]، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء/ ٥٩].
وخرج بقوله: "المتعلق بفعل المكلف" ما تعلق بذات اللَّه تعالى، نحو: "لا إله إلا اللَّه"، وما تعلق بفعله نحو قوله تعالى: ﴿خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام/ ١٠٢]، وما يتعلق بذوات المكلفين نحو: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ الآية [الأعراف/ ١١]، وما تعلق بالجمادات نحو: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف/ ٤٧].
[ ٦ ]