الثانية: أنَّه إن شك في حديث من سماعه ثم التبس عليه ذلك الحديثُ المشكوك فيه، فلم يُميزه من غيره، لم يجز له أن يروي عنه شيئًا مع ذلك الشك؛ لأن كل حديث رواه عنه احتملَ أن يكونَ هو ذلك الحديث الذي شك في سماعِه.
الثالثة: إذا غلب على ظنه أنَّه سمع منه حديثًا، ولم يجزم بذلك، فهل تكفي غلبة الظن، فتجوز الرواية بها، أو لا تكفي فلا تجوز بها؟ ولم يرجح واحدًا منهما.
قال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
إذا أنكر الشيخ الحديثَ، وقال: لستُ أذكره، لم يقدح ذلك في الخبر في قول إمامنا، ومالك، والشافعي، وأكثر المتكلمين، ومنع منه الكرخي قياسًا على الشهادة).
خلاصةُ ما ذكره في هذا الفصل أنَّ شيخ الراوي إذا أنكر الحديث وقال: لستُ أذكره، فلا يبطلُ ذلك روايته عنه؛ لأنَّه نسي الحديثَ والراوي ذاكر له، فلا وجه لرد ذاكر بنسيان ناسٍ. وهذا القول هو الصحيح.
[وقيل بالمنع، قياسًا على الشهادة] (^٢)، وعزاه المؤلفُ للكرخي،
_________________
(١) (٢/ ٤١٥).
(٢) ما بين المعكوفين ليس في الأصل المطبوع، والسياق يقتضيه.
[ ٢٠٣ ]
وردَّ المؤلفُ هذا القياس بكثرِة الفوارق بين الرواية والشهادة.
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
الذي يظهر صوابُه في هذه المسألة هو ما اختاره غير واحد من الأصوليين والمحدِّثين من التفصيل في ذلك: فإن كان الشيخ جازمًا بنفيه، وأنه ما روى هذا الحديث أصلًا، لم تُقبل روايةُ الراوي عنه، ولا يقدحُ ذلك في رواية ذلك الراوي في غير ذلك الحديث؛ لأنَّه لم يَثبت كذبُه، وإن لم يجزم بنفيه بل قال: لا أعرفه، أو لا أذكره، أو نحو ذلك، لم يقدح فيه.
وقد روى ربيعة بنُ أبي عبد الرحمن عن سهيل بنُ أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أنَّ النبيّ -ﷺ- قضى باليمين مع الشاهد. ثم نسيه سهيل فكان يقول: حدثني ربيعةُ عنِّي أني حدثته. ولم ينكر عليه أحد.
قال العراقي في الفيته:
وإنْ يردَّه بلا أذكر أو ما يقتضي نسيانَه فقد رأوا
الحكمَ للذاكر عند المعظم وحكي الإسقاطُ عن بعضهم
كقصة الشاهدِ واليمين إذ نَسِيَهُ سهيلٌ الذي أُخِذ
عنه فكان بعدُ عن ربيعة عن نفسه يرويه لن يضيعه
وذكر صاحب "المراقي" تفصيلًا في جزم الشيخ بعدم رواية الراوي، وعزاه للباجي، وحاصلُه أن الشيخ إذا قال: هذا الحديث من جملة مروياتي إلَّا أن فلانًا هذا لم يروه عني جزمًا، قُبلت روايةُ الراوي
[ ٢٠٤ ]
وإنْ كان الشيخُ جازمًا بعدمها، وإن قال الشيخُ: هذا الحديث لم يكن من مروياتي أصلًا، رُدَّتْ روايةُ الراوي عنه. وذلك في قوله عاطفًا على ما تقبلُ فيه الرواية:
والجزمُ من فرع وشك الأصلِ ودع بجزمه لذلك النقل
وقال بالقبول إن لم ينتفِ أصل من الحديث شيخ مقتفِ
ومرادُه بهذا الشيخ الباجي.
ثم أشار إلى أنَّ جزمَ الأصلِ بتكذيب الفرع لا يقدحُ في عدالةِ الفرعِ بقوله:
وليس ذا يقدح في العدالة كشاهد للجزمِ بالمقالة
تنبيه:
ذكر بعضُ أهل العلمِ في هذا المبحث أنَّ السبب الذي منعَ الحنفيةَ من قبول الحكمِ بالشاهد واليمين هو نسيانُ الراوي المذكورِ للحديث، وأنَّ نسيانَه مبطلٌ للروايةِ عندهم.
وقد قدَّمنا في النسخِ أن الموجبَ لردِّ حديث الحكم بالشهادة واليمين عندهم أنَّه زيادة على قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة/ ٢٨٢]، وأنَّ الزيادة على النصِّ نسخ عندهم، والحديث المذكور آحاد، والآيةُ معلومُ أنَّها من المتواتر، والمتواترُ لا يُنسخ عندهم بالآحاد، كما تقدَّم إيضاحُه.
[ ٢٠٥ ]