نسخه بالأثقل؟
فالجواب: أنَّ الخيرية دائرة بين الأخف والأثقل، فتارة تكون في الأخف فينسخ به الأثقل لسهولة الأخف، وتارة تكون في الأثقل لكثرة الأجر فيه فينسخ به الأخفُّ.
وإنكار الظاهرية لنسخ الأخف بالأثقل، محتجين بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة/ ١٨٥] وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء/ ٢٨]، ونحو ذلك من الآيات = لا وجه له، لأنَّ المراد بالآيات التخفيف بالجملة، فلا ينافي أنَّه ربما شرع حكمًا أثقل مما قبله، كما أوجب الصوم بعد التخيير، ونحو ذلك.
وإلى هذه المسألة أشار في "المراقي" بقوله:
ويُنْسَخُ الخِفُّ بماله ثِقَل وقدْ يجيء عاريًا من البدل
قال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
إذا نزل الناسخُ فهل يكون نسخًا في حق من لم يبلغه. . .) الخ.
حاصل هذا المبحث: أن الحكم اختلف فيه، هل يثبت بمجرد وروده، وإن لى يبلغ المكلف، أو لا يثبت بحق المكلف إلا بعد بلوغه له؟
_________________
(١) (١/ ٣١٨).
[ ١٢٢ ]
وقال القاضي: إنه لا يكون نسخًا حتى يبلغ المكلف؛ لأنَّ أهل قباء بلغهم نسخُ استقبال بيت المقدس وهم في الصلاة، فاعتدوا بما مضى من صلاتهم، ولو كان الحكم يستقر بمجرد وروده وإن لم يعلم به المكلف لما اعتدُّوا بما مضى من الصلاة قبل العلم بالناسخ.
قال أبو الخطاب: يتخرَّج أن يكون نسخًا، بناءً على قول الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- في الوكيل أنَّه ينعزل بعزل الموكل، وإن لم يعلم الوكيل بالعزل.
ويتفرع على هذا الخلاف نسخُ خمسة وأربعين صلاة ليلة الإسراء، فعلى أن الحكم يثبت بمجرد الورود فهي منسوخة في حق الأمة، وعلى عكسه فلا.
ومن الفروع المبنية عليه: عزل الوكيل بموت موكله أو عزله له قبل العلم، وهل تصرُّفه بعد موت موكله، أو بعد عزله له، قبل علمه بذلك، ماضٍ أوْ لا؟ الخلاف في ذلك مبني على الخلاف في هذه المسألة.
وينبني على الخلاف في هذه المسألة أيضًا: من أسلم في دار الكفر، ولم يجد من يعلمه أمر دينه كالصلاة والصوم، ومن نشأ على شاهق جبل وهو على الفطرة، ولم يجد من يعلمه، ثم بعد ذلك حصل العلم بأمور الدين لكل منهما، فعلى أن الحكم يثبت بالورود فعليهما قضاء ما فاتهما من الصلاة والصوم، وعلى أنه لا يستقلُّ إلا ببلوغه للمكلف فلا قضاء عليهما.
[ ١٢٣ ]
واحتج من قال: "لا يستقلُّ إلا ببلوغه للمكلف" بأن الناسخ خطاب، والخطاب يشترط فيه علم المخاطب به، فلا يكون خطابًا في حق من لم يبلغه.
ورد القائلون بثبوته بالورود وإن لم يبلغ المكلف الاحتجاجَ بقصة أهل قباء بأن الخطأ في القبلة يعذر فيه، كمن صلى إلى غير القبلة يظنُّ أنها القبلة، وكما يدلُّ له قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة/ ١١٥] على أحد التفسيرات، وعليه أكثر أهل العلم.
وإلى هذه المسألة أشار في "المراقي" بقوله:
هل يستقل الحكم بالورود أو ببلوغه إلى الموجود
فالعزل بالموت أو العزل عرض كذا قضاء جاهل للمفترض
قال المؤلف (^١) -﵀-:
(فصل