وأما قول البائع: إنَّ هذه السلعة له، وإن هذه الأمة لا زوج لها، فقد رُخِّص في قبول ذلك في المعاملات لشدة حاجة الناس إليها، ولو كان الذي بيده المتاع معروفًا أنه غير عدل؛ إذ لو توقفت المعاملات على إثبات ملك السلع المعروضة للبيع لتعذر ذلك، وصار فيه حرجٌ كبير، فاكتفي في ذلك بوضع اليد ودعوى الملك، ولو من غير عدل.
قال المؤلف (^١):
(فصل
ولا يشترط في الرواية الذكورية. .) إلخ.
خلاصة ما ذكره في هذا الفصل سبعة أشياء:
الأول: أن رواية المرأة كرواية الرجل، فرواية عائشة -مثلًا- لا فرق بينها ورواية الرجال من الصحابة، إذ الرواية ليست كالشهادة، فالنساء في باب الرواية هن والرجال سواء.
الثاني: أن رواية الأعمى إذا وثق بمعرفة الصوت مقبولة، واستدلَّ لذلك بأن الصحابة ﵃ كانوا يروون عن عائشة وغيرها من النساء من وراء حجاب، اعتمادًا على الصوت، إلا أنَّ الأصوليين قرَّروا في مباحث الترجيح أن الذي روى عن النساء من غير حجاب لكونه من محارمهنَّ ترجح روايته على رواية من روى عنهن من وراء حجاب،
_________________
(١) (١/ ٣٩٤). ووقع في الأصل المطبوع: "الرواية المذكورة". والتصويب من "الروضة".
[ ١٨٠ ]
ومثلوا له برواية القاسم بن محمد عن عائشة: أنَّ بريرة عتقت وزوجُها عبد، مع رواية الأسود بن يزيد عنها: أنَّه كان حرًا؛ لأنَّ القاسم ابن أخيها يروي عنها من غير حجاب، والأسود ليس محرمًا لها فلا يروي عنها إلا من وراء الحجاب.
وعن البخاري أن القائل بأنه كان حرًّا الحكم، وليس من قول عائشة.
الثالث: أنَّ الراوي لا يشترط فيه كونه فقيهًا، بل تقبل رواية العدل الذي ليس بفقيه، واستدل له المؤلف بحديث: "رب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه"، وبأن الصحابة كانوا يقبلون خبر الأعرابي الذي لا يروي إلا حديثًا واحدًا.
الرابع والخامس: أنه لا يقدح في الرواية بالعداوة والقرابة بخلاف الشهادة.
وإيضاحه: أنَّه لو كانت خصومة بين اثنين ثم روى قريب أحدهما أو عدوُّه حديثًا عن النبي -ﷺ- يقتضي نفع ذلك القريب، أو ضر ذلك العدو، فلا يقدح في روايته بتلك العداوة أو القرابة؛ لأنَّ حكم الرواية عام لكل الناس، لا يختص بشخصٍ بعينه، بخلاف الشهادة.
السادس: أنَّه لا يُقدحُ في رواية الراوي بعدم معرفة نسبه.
السابع: أنَّه لو ذكر اسم شخص متردد بين مجروح وعدل، فلا تقبلُ تلك الرواية؛ لاحتمال كون ذلك الشخص المذكور في السند هو المجروح.
[ ١٨١ ]
هذا هو حاصلُ ما ذكره المؤلف في هذا الفصل، وجميع ما فيه صواب.
والمقرر في أصول مالك وأبي حنيفة أنَّهما لا يقبلان رواية غير الفقيه، وبعضهم يقيده عن أبي حنيفة بما إذا خالفت رواية غير الفقيه القياس، وبهذه القاعدة ردُّوا كثيرًا من أحاديث أبي هريرة ﵁ بدعوى أنَّه غير فقيه، وأن روايته مخالفة للقياس.
ومثال ذلك: ردُّهم لحديثه في المُصَرَّاة أنه يردها إذا حلبها وصاعًا من تمر.
والمرويُّ في أصول المالكية عن مالك عدم قبول رواية غير الفقيه مطلقًا، بدعوى أن غير الفقيه لا يوثق بفهمه الكلام على وجهه، فربما فهم غير المقصود لعدم فقهه، وربمَّا نقله بالمعنى فيقع بذلك الخلل في روايته.
ولا شك أنَّ هذا باطل من وجهين:
الأول: أنَّ عدالتَه تمنعه من أن يقول شيئًا لم يفهمه، ولم يجزم بفهمه، مع أن معنى الكلام الذي لا خفاء فيه ولا إجمال يفهمه على وجهه غير الفقيه كما لا يخفى.
الثاني: أن النبي -ﷺ- بين أنه قد يحمل الفقه غير الفقيه، وذلك نصٌّ في محل النزاع، وهو ثابت عنه -ﷺ-، فقد روى زيد بن ثابت ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "نضر اللَّه امرءًا سمع منَّا حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس
[ ١٨٢ ]
بفقيه".
فقوله -ﷺ-: "ورب حامل فقه ليس بفقيه" نصٌّ في محل النزاع، دالٌّ على صحة رواية غير الفقيه كما ترى.
وقد قال المناوي في شرح "الجامع الصغير" في الكلام على هذا الحديث: رواه الترمذي في العلم والضياء في المختارة عن زيد بن ثابت، قال الترمذي: صحيح. وقال ابن حجر في تخريج المختصر: حديث زيد بن ثابت هذا صحيح خرجه أحمد وأبو داود وابن حبان وابن أبي حاتم والخطيب وأبو نعيم والطيالسي والترمذي. وفي الباب عن معاذ بن جبل وأبي الدرداء وأنس وغيرهم. وقال في موضع آخر: الحديث صحيح المتن وإن كان بعض أسانيده معلولًا. اهـ.
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
ومعنى هذا ثابت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ﵁؛ لأنَّ قول النبي -ﷺ- في حديث أبي موسى المتفق عليه المشهور: "وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع اللَّه بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا. . ." الحديث، مثلٌ مضروبٌ لكون الراوي قد يكون غير فقيه، فكما أن تلك الأجادب لم تنبت، ولم تُثمر، ولكنها أمسكت ذلك الماء للناس، فنفعهم اللَّه به، فشربوا منه وسقوا وزرعوا، فكذلك أولئك الرواة لم يتفقهوا، ولكن نفع اللَّه الناس بما حفظوا من العلم، فانتفعوا به، وتفقهوا فيه، ولذا قال -ﷺ-: "ربَّ مبلَّغٍ أوعى من سامع".
[ ١٨٣ ]
وقوله: "مبلَّغ" بصيغة اسم المفعول. وهذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب العلم في باب قول النبي -ﷺ-: "ربَّ مبلَّغ أوعى من سامع" من حديث أبي بكرة ﵁ عن النبي -ﷺ-.
وذكر صاحبُ "الجامع الصغير" هذا الحديث من رواية ابن مسعود وعزاه للإمام أحمد في المسند والترمذي وابن حبان، وجعل عليه علامة الصحة.
وقال شارحه المناوي: قال ابن حجر في تخريج المختصر: حديث مشهور خُرج في السنن أو بعضها من حديث ابن مسعود وزيد بن ثابت وجبير بن مطعم، وصححه ابن حبان والحاكم.
وذكر أبو القاسم بن منده في تذكرته أنه رواه عن المصطفى -ﷺ- أربعة وعشرون صحابيًا، ثم سرد أسماءهم.
وقال عبد الغني في الآداب: تذاكرت أنا والدارقطني طرق هذا الحديث، فقال: هذا أصح شيءٍ روي فيه. اهـ.
وهذه النصوصُ تدلُّ على أنَّ ما روي عن مالك وأبي حنيفة رحمهما اللَّه تعالى من عدم قبول رواية غير الفقيه مطلقًا، أو إذا خالفت القياس، خلافُ الصواب، وقد ردَّ صاحب مراقي السعود هذا القول على أهل مذهبه من المالكية بقوله:
من ليس ذا فقهٍ أباه الجيلُ وعكسُه أثبته الدليل
والجيل: المصنف من الناس، ومراده بهم علماء المالكية، وقوله: و"عكسه" أي عكس قولهم "أثبته الدليل"، وهو ما ذكرنا آنفًا من
[ ١٨٤ ]