فالجوابُ أنَّ بعض أهل العلم استدل لذلك بما يأتي:
قال صاحب "تدريب الراوي": قال ابن الصلاح: وفي الاحتجاج لتجويزها غموض، ويتجه أن يقال: إذأ أجاز له أن يروي عنه مروياته، فقد أخبره بها جملة، كما لو أخبره بها تفصيلًا، وإخباره بها غير متوقف على التصريح قطعًا، كما في القراءة، وإنما الغرض حصولُ الإفهام والفهم، وذلك حاصل بالإجازة.
وقال الخطيب في "الكفاية": احتجَّ بعض أهل العلم لجوازها بحديث أنَّ النبي -ﷺ- كتب سورة براءة في صحيفةٍ ودفعها لأبي بكر، ثم بعث علي بن أبي طالب فأخذها منه، ولم يقرأها عليه، ولا هو أيضًا، حتى وصل إلى مكة ففتحها وقرأها على الناس".
فكأنَّ النبي -ﷺ- أجاز له أنْ يروي عنه ما في تلك الصحيفة من غير سماع منه.
المرتبة الرابعة: المناولة، وهي أن يناوله كتابًا ويقول له: ارو عني ما فيه، فهو كالإجازة؛ لأنَّ مجرد المناولة دون اللفظ لا يكفي، واللفظ وحده يكفي، وكلاهما تجوز الرواية به، فيقول: حدثني إجازة، أو
[ ١٩٩ ]
أخبرني إجازة، فإن لم يقل إجازة لم يجز على أصح القولين.
فإن قال: هذا الكتاب سماعي، ولم يأذن في روايته عنه، فلا تجوزُ الرواية بذلك؛ لأنَّه يمكن ألا يجيز روايته عنه لخلل يعلمه فيه.
وكذلك لو قال: عندي شهادة، لا يشهد بها ما لم يقل: أذنت لك أن تشهد على شهادتي، وكذا لو وجد شيئًا بخطه لا يرويه عنه، لكن يجوزُ له أن يقول: وجدت بخط فلان كذا وكذا.
فإن قال العدل: هذه نسخة من صحيح البخاري أو مسلم -مثلًا-، فليس له أن يرويه عنه ما لم يأذن. وهل يلزمه العمل به؟ فيه خلاف، وأظهره لزومُ العمل به؛ لأنَّ أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- كانوا يحملون صحف الصدقات إلى البلاد، وكان الناس يعتمدون عليها بشهادة حامليها بصحتها دون أن يسمعها كلُّ واحد منهم، فإن ذلك يفيد سكون النفس، وغلبة الظن، وإلى ذلك أشار في المراقي بقوله:
والخلف في إعلامه المجرد وأعملن منه صحيح السند
هذا هو خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المبحث، مع زيادات إيضاح واستدلال واستظهار، وهذا الذي مشى عليه المؤلف ﵀ من ترتيب هذه المراتب الأربعة المذكورة قولُ بعض أهل العلم، وفيه أقوال أُخر غير هذا.
منها: أنَّ المناولة والسماع والعرض -الذي هو القراءة على الشيخ، فيقول: نعم- في مرتبة واحدة، وأنَّ الإجازة المجردة عن المناولة مرتبة ثانية دونها. وهذا هو المشهور عند المالكية، وعليه درج
[ ٢٠٠ ]