وقوله (^١): (فأمَّا من بلغه بالأخبار، فينقسم في حقِّه قسمين: تواترًا وآحادًا) كما سيأتي إن شاء اللَّه إيضاحُه.
وقوله (^٢): (وألفاظُ الرواية في نقل الأخبار خمسة) يعني أن كيفية رواية الصحابي عن النبي -ﷺ- خمس مراتب:
أقواها المرتبة الأولى: وهي ما كان اللفظُ فيه صريحًا في السماع من النبي -ﷺ-، نحو: سمعته -ﷺ- يقول، أو حدثني، أو أخبرني، أو شافهني، وهذا هو الأصل في الرواية.
المرتبة الثانية التي تلي الأولى في القوة: هي ما كان اللفظُ فيه ظاهرًا في السماع منه -ﷺ- مع أنه محتمل؛ لأنه لم يسمع منه مباشرة بل بواسطة، نحو قوله: قال رسول اللَّه -ﷺ-، أو عن رسول اللَّه -ﷺ-، ونحو ذلك.
وإنَّما كانت هذه المرتبة دون التي قبلها؛ لأنَّها ليست صريحة في السماع، لإمكان أن يكون سمعه من غير النبي -ﷺ-.
وهذه الصورة إن وقعت من الصحابي، فالروايةُ بها مقبولة، إذ لو فرضنا أن هناك واسطة، وأنَّه مرسل، فمراسيل الصحابة مقبولة؛ لأن لها حكم الوصل.
وأما إن صدرت هذه الصورة التي هي "قال" و"عن" ونحوهما من
_________________
(١) (١/ ٣٤٠).
(٢) (١/ ٣٤١).
[ ١٤٢ ]
غير الصحابي، فإن كان غير مدلس فهي صحيحة كالتصريح بالسماع، وإن كان مدلسًا لم تقبل ما لم يثبت السماع من طريق أخرى، كما هو مقرر في علم الحديث.
ومن يحتجُّ من العلماء بالمرسل يحتجُّ بعنعنة المدلس، وقوله: "قال"، ونحو ذلك، من باب أولى.
ومثَّل المؤلف -رحمه اللَّه تعالى- لقول الصحابي: "قال رسول اللَّه -ﷺ-" مع أنه لم يسمع منه مباشرة بما روي عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "من أصبح جنبًا فلا صوم له"، فلما استُكْشِفَ قال: حدثني الفضل بن عباس.
وما روي عن ابن عباس أنَّه قال: "إنما الرِّبا في النسيئة"، فلما روجع أخبر أنه سمعه من أسامة بن زيد.
وقد بينَّا أنَّ مثل ذلك لا يضرُّ؛ لأنَّ مرسل الصحابي له حكم الوصل.
المرتبة الثالثة: أن يقول الصحابي: أمر رسول اللَّه -ﷺ- بكذا، أو نهى عن كذا، وإنَّما كانت هذه دون التي قبلها؛ لأنَّ فيها من احتمال عدم السماع مباشرة مثل ما في الأولى، وتزيد عليها بأنه قد يظن ما ليس بأمر أمرًا.
هكذا قيل، ولا يخفى بُعْدُه، إذ عدالةُ الصحابي تمنعه من أن ينقل عن النبي -ﷺ- الأمر فيما ليس بأمرٍ، ولذا جعلت جماعة من أهل الأصول هذه المرتبة في منزلة التي قبلها لضعف الاحتمال المذكور.
[ ١٤٣ ]
المرتبة الرابعة: أن يقول: أُمرنا أو نُهينا، ولا يذكر الفاعل. وإنما كانت دون التي قبلها لأن فيها من الاحتمال ما في التي قبلها، وتزيد باحتمال أن يكون الآمر غير النبي -ﷺ- من الأئمة والعلماء، وأكثر أهل الأصول على أنه لا يحمل إلا على أمر اللَّه ورسوله، خلافًا لمن أبطل هذه المرتبة لذلك الاحتمال.
قال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(وفي معنى هذه المرتبة قوله: من السنة كذا، والسنة جائزة بكذا. فالظاهر أنه لا يريد إلا سنة رسول اللَّه -ﷺ-. . .، ولا فرق فى قول الصحابي ذلك بين أن يقوله في حياته أو بعد وفاته -ﷺ-).
قال المؤلف (^٢) -رحمه اللَّه تعالى-:
(وقول التابعي والصحابي في ذلك سواء إلا أن الاحتمال في قول الصحابي أظهر).
المرتبة الخامسة: أن يقول: كنا نفعل كذا على عهد رسول اللَّه -ﷺ-، أو كانوا يفعلون كذا على عهده -ﷺ-، كقول جابر: "كنَّا نعزل والوحي ينزل".
_________________
(١) (١/ ٣٤٤ - ٣٤٥).
(٢) (١/ ٣٤٥).
[ ١٤٤ ]
قال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى- ممثلًا لهذا-:
(مثل قول ابن عمر: كنا نفاضلُ على عهد رسول اللَّه -ﷺ- فنقول: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، فيبلغ ذلك رسول اللَّه -ﷺ- فلا ينكره.
وقال: "كنا نخابرُ أربعين سنة". . .) الخ.
أمَّا إذا لم يذكر زمن النبي -ﷺ- بل قال: كانوا يفعلون كذا -مثلًا-، فقال أبو الخطاب: يكون نقلًا للإجماع. ومنعه بعض أصحاب الشافعي ما لم يصرح بنقله عن أهل الإجماع.
قال أبو الخطاب: وإذا قال الصحابيُّ: هذا الخبرُ منسوخٌ وجب قبول قوله، ولو فسره بتفسير وجب الرجوع إلى تفسيره.
هكذا نقل عنه المؤلف، ومنع الأمرين كثير من علماء الأصول، واللَّه أعلم.
ولم يذكر المؤلف -هنا- جميع صور أداء الحديث؛ لأن رواية الراوي عن شيخه قد تكون بالسماع -كما ذكرنا-، وقد تكون بالعرض وهو قراءته على الشيخ، وقد تكون بالمناولة، وغيرها من أقسام الإجازة، كما سيذكره المؤلف.
_________________
(١) (١/ ٣٤٥).
[ ١٤٥ ]