وإن أتى ما خَصَّ بعد العملِ نَسَخَ والغيرُ مخصِّصًا جلي
وفي الثاني بقوله:
وإن يكن تأخر المقيد عن عمل فالنسخ فيه يعهد
قال المؤلف (^١) -﵀-:
(فصل
وقد أنكر قوم النسخ، وهو فاسد. . .) إلى آخره.
لا شكَّ أنَّ إنكار النَّسخ فاسد، وأن النسخ جائز عقلًا، كما قدمنا أنَّه لا يلزمُه البداء، وواقع شرعًا، والدليل قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة/ ١٠٦]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل/ ١٠١].
وإنكار أبي مسلم الأصفهاني له معناه أنَّه يميل إلى أنَّه تخصيص في الزمن، لا رافع للحكم، كما تقدمت الإشارة إليه.
قال المؤلف (^٢):
(فصل
يجوز نسخ تلاوة الآية دون حكمها، ونسخُ حكمها دون تلاوتها، ونسخهما معًا).
_________________
(١) (١/ ٢٩٢).
(٢) (١/ ٢٩٤).
[ ١٠٤ ]
معنى كلامه ظاهر.
ومثال نسخ التلاوة دون الحكم: نسخ تلاوة آية الرجم وبقاء حكمها، وهي قوله تعالى: ﴿والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من اللَّه واللَّه عزيز حكيم﴾ قيل: كانت هذه الآية من براءة، وقيل: من الأحزاب.
ومنه: نسخ تلاوة آية (خمس رضعات) عند الشافعي ومن وافقه.
ومثال نسخ الحكم دون التلاوة: آية العدة المذكورة آنفًا. وهو أغلب ما في القرآن من النسخ.
ومثال نسخهما معًا: نسخ آية (عشر رضعات)، فقد ثبت في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ "كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول اللَّه -ﷺ- وهن فيما يقرأ من القرآن".
تنبيه:
يتوجه على هذا الذي ذكر في هذا البحث ثلاثة أسئلة:
الأول: أن يقال: كيف ساغ نسخ الحكم دون التلاوة مع أن التلاوة دليل الحكم، فكيف يرفع المدلولُ مع بقاء دليله؛ لأنَّ هذا يلزمه الدليل بلا مدلولى وهو محال، إذ لا تعقل الدلالة بدون مدلول؟
الثاني: أن يقال: تقدَّم في حد النسخ أنه رفع الحكم. . . إلى آخره، فكيف يدخل نسخ التلاوة مع بقاء الحكم؛ لأنَّ الحكم فيه لم يرفع؟
[ ١٠٥ ]
الثالث: أن يقال: ما حكمة نسخ اللفظ مع أنه إنما نزل ليُتلى ويُثاب عليه، فكيف يرفع، إذ رفعه يقتضي انتفاء حكمته؟
الجواب عن السؤال الأول: هو أنا لا نُسَلِّمُ كون اللفظ دليلًا على الحكم بعد نسخ الحكم، بل هو إنَّما يكون دليلًا عليه عند انفكاكه عمَّا يرفع حكمه، فإذا جاء الخطاب الناسخُ لحكمه زالت دلالته على الحكم بالكلية، كما قدمنا في الفوارق بين النسخ والتخصيص.
وإيضاحه: أن الحكم الشرعي المنسوخ مع بقاء اللفظ الدال عليه سابقًا، وتلاوة ذلك اللفظ، وكتابته في القرآن، وانعقاد الصلاة به، كلها أحكامٌ شرعية مع أحكام ذلك اللفظ، وكل حكم شرعي فهو قابل للنسخ.
قال في "المراقي":
وكل حكم قابل له وفي نفي الوقوع لاتفاق قد قفي
وإذا عرفت ذلك عرفت أنه لا مانع من نسخ بعض أحكام اللفظ كالتحريم، والوجوب المفهوم منه، مع بقاء أحكام أخر من أحكامه لم تنسخ، كالتعبد به وإجزائه في الصلاة ونحو ذلك.
فآية الاعتداد بحولٍ -مثلًا- نُسِخَ ما دلَّت عليه من إيجاب تربص الحول على المتوفى عنها، وبقيتْ أحكام أخر من أحكامها لم تنسخ، وهي قراءتها في الصلاة، وكتابتها مع القرآن في المصحف. وهو واضح كما ترى.
والجواب عن السؤال الثاني: هو أنَّ نسخ التلاوة فقط معناه نسخُ
[ ١٠٦ ]
التعبد بلفظه والصلاة به وكتبه مع القرآن في المصحف، وهذه أحكام من أحكامه، فلا مانع من نسخها مع بقاء حكم آخر لم ينسخ، وهو ما دل عليه اللفظ، فآية الرجم -مثلًا- لا مانع من نسخ التعبد بها والصلاة بها، وكتبها في المصحف، مع بقاء حكم آخر من أحكامها لم ينسخ، وهو رجم الزانيين المحصنين، كما تقدَّم مثله.
فإن قيل: كيف الجمع بين هذا وبين قولهم: هذا منسوخ تلاوة لا حكمًا؛ لأنَّه يفهم منه أن نسخ التلاوة منافٍ لنسخ الحكم؟
فالجواب: أنَّ الحكم المنفي عنه النسخ في قولهم (لا حكمًا) غير الحكم المثبت له النسخ بنسخ التلاوة؛ لأنَّها أحكام قد نسخ بعضها دون بعض كما تقدم قريبًا.
والجواب عن السؤال الثالث: هو أنه لا مانع من أن يكون أصل المقصود من المنسوخ تلاوة لا حكمًا إنَّما هو الحكم دون التلاوة، لكنه أنزل على رسول اللَّه -ﷺ- بلفظ معين ليثبت به الحكم وليستقر، والحال أنه هو المقصود فلا مانع من نسخ اللفظ؛ لأن المقصود هو مجرد الحكم.
فإن قيل: فإن جاز نسخ التلاوة فلينسخ الحكمُ معها، لأنَّ الحكم تبع للتلاوة، فكيف يبقى الفرع مع نسخ الأصل؟
فالجواب: أن التلاوة حكم، وانعقاد الصلاة بها حكم آخر، ودلالتها على ما دلَّتْ عليه حكم آخر، فلا يلزم من نسخ التعبد بها وعدم الصلاة بها نسخ حكمها الذي دلَّت عليه، فكم من دليل لا يتلى ولا
[ ١٠٧ ]
تنعقد به صلاة، والآية المنسوخة تلاوتها مع بقاء حكمها دليل لنزولها وورودها، لا لكونها متلوةً في القرآن، والنسخ لا يرفعُ ورودها ونزولها، ولا يجعلها كانها غير واردة، بل يلحقها بالوارد الذي لا يتلى.
قال المؤلف (^١):
(فصل