قال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
فأمَّا نسخ القرآن والمتواتر من السنة بأخبار الآحاد فهو جائز عقلًا؛ إذْ لا يمتنع أن يقول الشارع: تعبدناكم بالنسخ بخبر الواحد، وغير جائز شرعًا. .) إلى آخره.
حاصل ما ذكره في هذا المبحث أنَّ نسخَ المتواتر بالآحاد جائز عقلًا، وأمَّا شرعًا ففيه ثلاثة أقوال:
الأول: أن المتواتر من كتاب أو سنة لا ينسخ بخبر الآحاد مطلقًا. وهذا هو الذي نصره المؤلف، وعلى هذا القول جمهور أهل الأصول. وعليه درج في "المراقي" بقوله:
والنسخُ بالآحاد للكتاب ليس بواقع على الصواب
وحجة هذا القول أن المتواتر قطعيُّ المتن، وخبر الآحاد دونه رتبة، والأقوى لا يُرفع بما هو دونه في الرتبة.
واستدل له المؤلف بقوله عمر ﵁: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أحفظت أم نسيت".
قال مقيِّده -عفا اللَّه عنه-:
التحقيق الذي لا شك فيه هو جواز وقوع نسخ المتواتر بالآحاد
_________________
(١) (١/ ٣٢٧).
[ ١٢٨ ]
الصحيحة الثابت تأخرها عنه، والدليل الوقوع.
أمَّا قولهم: إن المتواتر أقوى من الآحاد، والأقوى لا يُرفع بما هو دونه، فإنهم قد غلطوا فيه غلطًا عظيمًا مع كثرتهم وعلمهم.
وإيضاح ذلك: أنَّه لا تعارض البتة بين خبرين مختلفي التاريخ؛ لإمكان صدق كل منهما في وقته، وقد أجمع جميع النظار أنَّه لا يلزم التناقض بين القضيتين إلا إذا اتحد زمنهما، أمَّا إن اختلفا فيجوز صدق كل منهما في وقتها، فلو قلت: النبي -ﷺ- صلى إلى بيت المقدس، وقلت -أيضًا-: لم يصل إلى بيت المقدس، وعنيت بالأولى ما قبل النسخ، وبالثانية ما بعده، لكانت كل منهما صادقة في وقتها.
ومثال نسخ القرآن بأخبار الآحاد الصحيحة الثابت تأخرها عنه: نسخُ إباحة الحمر الأهلية -مثلًا- المنصوص عليها بالحصر الصريح في آية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام/ ١٤٥] بالسنة الصحيحة الثابت تأخرها عنه؛ لأن الآية من سورة الأنعام وهي مكيَّة، أي نازلةٌ قبل الهجرة بلا خلاف، وتحريم الحمر الأهلية بالسنَّة واقع بعد ذلك في خيبر، ولا منافاة البتة بين آية الأنعام المذكورة وأحاديث تحريم الحمر الأهلية؛ لاختلاف زمنهما، فالآية وقت نزولها لم يكن محرَّمًا إلا الأربعة المنصوصة فيها، وتحريم الحمر الأهلية طارئ بعد ذلك، والطروء ليس منافاة لما قبله، وإنما تحصلُ المنافاة بينهما لو كان في الآية ما يدل على نفي تحريم شيء في المستقبل غير الأربعة المذكورة في الآية، وهذا لم تتعرض له الآية، بل الصيغة فيها مختصة بالماضي، لقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾
[ ١٢٩ ]
بصيغة الماضي، ولم يقل: فيما سيوحى إلي في المستقبل. وهو واضح كما ترى، واللَّه أعلم.
وأمَّا آية الوصية للوالدين والأقربين، فالتحقيقُ أنَّها منسوخة بآية المواريث، والحديث بيان للناسخ، وبيانُ المتواتر لا يُشترط فيه التواتر كما تقدَّم.
والحديث يُشيرُ إلى أن الناسخ لها آياتُ المواريث؛ لأنَّ ترتيبه -ﷺ- نفي الوصية للوارث بالفاء على إعطاء كل ذي حقٍّ حقه -يعني الميراث- في قوله -ﷺ-: "إنَّ اللَّه قد أعطى كل ذي حقٍّ حقَّه فلا وصية لوارث" يدلُّ على ذلك.
وأمَّا قول عمر ﵁: "لا ندع كتاب ربنا. . . " الخ؛ فالحقُّ في ذلك ليس معه ﵁، بل مع المرأة المذكورة وهي فاطمة بنت قيس -﵂-، قالت: إن زوجها طلَّقها آخر ثلاث تطليقات، فلم يجعل لها رسول اللَّه -ﷺ- نفقةً ولا سكنى. وعندما سمعت قول عمر: لا ندع كتاب ربِّنا لقول امرأة. . . الخ قالت: بيني وبينكِم كتاب اللَّه، قال اللَّه تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ حتى قال: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ [الطلاق/ ١] فأيُّ أمرٍ يحدث بعد الثلاث؟
وصرَّح أئمة الحديث بأنَّه لم يثبت من السنة ما يخالف حديثها.
فالسنةُ معها، وكتاب اللَّه معها، فلا وجه للاستدلال بمخالفة عمر لما سَمِعَتْهُ من النبي -ﷺ-؛ لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ،
[ ١٣٠ ]