وقد قدمنا اختلافهم في انفكاك الجهة.
وقد بين صاحب "مراقي السعود" بعض المسائل التي اختلفوا في انفكاك الجهة فيها وعدمه بقوله:
مثل الصلاة بالحرير والذهب أو في مكان الغصب والوضو انقلب
ومعطنٍ ومنهج ومقبرة كنيسةٍ وذي حميم (^١) مجزرة
والمؤلف -﵀- يرى أنَّ الصلاة في الأمكنة المنهي عنها باطلة، والخلاف فيها مشهور.
فصل
قال المؤلف (^٢) -﵀-:
(الأمر بالشيء نهي عن ضدِّه من حيث المعنى، فأمَّا الصيغة فلا، فإنَّ قوله: (قم) غير قوله: (لا تقعد)، وإنَّما النظر في المعنى، وهو أن طلب القيام هل هو بعينه طلب ترك القعود. . .) إلى آخره.
اعلم أنَّ كون الأمر بالشيء نهيًا عن ضده فيه ثلاثة مذاهب:
الأول: أن الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضدِّه. وهذا قول جمهور المتكلمين.
_________________
(١) ذي حميم: أي الحمَّام؛ لوجود الماء الحار، ومنه قوله تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا﴾ [محمد/ ١٥]. "عطية".
(٢) (١/ ٢١٧).
[ ٣٥ ]
قالوا: اسكن -مثلًا-، السكونُ المأمورُ به فيه هو عين ترك الحركة، فهو إذن عين النهي عن الحركة -أيضًا-، فالأمرُ بالسكون هو النهي عن الحركة.
قالوا: وشغل الجسم فراغًا هو عين تفريغه للفراغ الذي انتقل عنه، والبعد من المغرب هو عين القرب من المشرق، وهو بالإضافة إلى المشرق قرب، وإلى المغرب بعد.
قالوا: ومثل ذلك طلب السكون، فهو بالنسبة إليه أمر وإلى الحركة نهي.
والذين قالوا بهذا القول اشترطوا في الأمر كون المأمور به معينًا، وكون وقته مضيقًا، ولم يذكر ذلك المؤلف، أمَّا إذا كان غير معين -كالأمر بواحد من خصال الكفارة- فلا يكون نهيًا عن ضده، فلا يكونُ في آية الكفارة نهي عن ضد الإعتاق -مثلًا-؛ لجواز ترك الإعتاق من أصله والتلبس بضده، والتكفير بالإطعام -مثلًا-، وذلك بالنظر إلى ما صِدْقِه أي فرده المعيَّن، كما مثلنا، لا بالنظر إلى مفهومه وهو الأحد الدائر بين تلك الأشياء؛ فإنَّ الأمر حينئذٍ نهيٌ عن ضد الأحد الدائر، وضده هو ما عدا تلك الأشياء المخير بينها.
وكذلك الوقت الموسع، فلا يكون الأمر بالصلاة في أول الوقت نهيًا عن التلبُّس بضدها في ذلك الوقت، بل يجوز التلبس بضدها في أول الوقت وتأخيرها إلى وسطه أو آخره بحكم توسيع الوقت.
[ ٣٦ ]
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
الذي يظهر -واللَّه أعلم- أنَّ قول المتكلمين ومن وافقهم من الأصوليين أنَّ الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضده، مبني على زعمهم الفاسد أنَّ الأمر قسمان: نفسي ولفظي، وأنَّ الأمر النفسي هو المعنى القائم بالذات المجرَّد عن الصيغة، وبقطعِهم النظر عن الصيغةِ واعتبارِهم الكلامَ النفسيَّ زعموا أنَّ الأمر هو عين النهي عن الضد مع أن متعلق الأمر طلب ومتعلق النهي ترك، والطلب استدعاء أمر موجود، والنهي استدعاء ترك فليس استدعاء شيء موجود.
وبهذا يظهر أن الأمر ليس عين النهي عن ضده، وأنه لا يمكن القول بذلك إلا على زعم أنَّ الأمر هو الخطاب النفسي القائم بالذات المجرَّد عن الصيغة.
ويوضح ذلك اشتراطُهم في كون الأمر نهيًا عن الضد أن يكون الأمر نفسيًا، يعنون الخطاب النفسي المجرد عن الصيغة، وجزم ببناء هذه المسألة على الكلام النفسي صاحبُ الضياء اللامع وغيره، وقد أشار المؤلف إلى هذا بقوله: (من حيث المعنى، وأمَّا الصيغة فلا)، ولم ينتبه لأنَّ هذا من المسائل التي فيها النارُ تحت الرماد؛ لأن أصل هذا الكلام مبنيٌّ على زعم باطل، وهو أنَّ كلام اللَّه مجرد المعنى القائم بالذات المجرد عن الحروف والألفاظ؛ لأنَّ هذا القول الباطل يقتضي أنَّ ألفاظ كلمات القرآن بحروفها لم يتكلم بها ربُّ السموات والأرض. وبطلان ذلك واضح، وسيأتي له إن شاء اللَّه زيادة إيضاح في مباحث القرآن ومباحث الأمر.
[ ٣٧ ]
المذهب الثاني: أنَّ الأمر بالشيء ليس عين النهي عن ضده، ولكنه يستلزمه. وهذا هو أظهر الأقوال؛ لأنَّ قولك: اسكن -مثلًا- يستلزم نهيك عن الحركة؛ لأن المأمور به لا يمكنُ وجوده مع التلبس بضده؛ لاستحالة اجتماع الضدين، وما لا يتم الواجب إلَّا به واجب كما تقدَّم، وعلى هذا القول أكثر أصحاب مالك، وإليه رجع الباقلاني في آخر مصنفاته، وكان يقولُ بالأول.
المذهب الثالث: أنه ليس عينه ولا يتضمنُه. وهو قول المعتزلة والأبياري من المالكية، وإمام الحرمين والغزالي من الشافعية، واستدلَّ من قال بهذا بأنَّ الآمر يجوز أن يكون وقت الأمر ذاهلًا عن ضدِّه، وإذا كان ذاهلًا عنه فليس ناهيًا عنه، إذْ لا يتصور النهي عن الشيء مع عدم خطوره بالبال أصلًا.
ويجابُ عن هذا بأنَّ الكفَّ عن الضد لازم لأمره لزومًا لا ينفك، إذ لا يصح امتثال الأمر بحال إلا مع الكف عن ضده، فالأمر مستلزم ضرورة للنهي عن ضده، لاستحالة اجتماع الضدين.
قالوا: ولا تشترط إرادة الأمر، كما ألثمار إليه المؤلف -﵀-.
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
قولهم هنا: "ولا تُشترط إرادة الأمر" في هذا المبحث غلطٌ؛ لأن المراد بعدم اشتراط الإرادة في الأمر إرادة الآمر وقوع المأمور به، أما إرادته لنفس اقتضاء الطلب المعبر عنه بالأمر، فلا بدَّ منها على كل
[ ٣٨ ]
حال، وهي محل النزاع هنا.
ومن المسائل التي تنبني على الاختلاف في هذه المسألة قولُ الرجل لامرأته: إنْ خالفت نهيي فأنت طالق، ثم قال: قومي، فقعدت.
فعلى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فقوله: "قومي" هو عين النهي عن القعود، فيكون قعودها مخالفةً لنهيه المعبَّر عنه بصيغة الأمر، فتطلق.
وعلى أنه مستلزم له، فيتفرع على الخلاف المشهور في لازم القول هل هو قول أو لا؟
وعلى أنه ليس عين النهي عن الضد، ولا مستلزمًا له، فإنَّها لا تطلق.
ومن المسائل المبنيَّة عليها -أيضًا- ما لو سرق المصلِّي في صلاته، أو لبس حريرًا، أو نظر محرَّمًا، فعلى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده فيكون الأمر بالصلاة هو عين النهي عن السرقة -مثلًا-، فتبطل الصلاة بناءً على أن النهي يستلزم الفساد، فعين السرقة منهي عنها في الصلاة بنفس الأمر بالصلاة؛ فعلى أنَّ النهي يقتضي الفساد فالصلاة باطلة.
وسيأتي لهذا زيادةُ إيضاح -إن شاء اللَّه تعالى-، وخلافُ العلماء في مثل هذه الفروع مشهور.
[ ٣٩ ]