قال المؤلف رحمه الله تعالى:
(فصل)
والزيادة على النص ليست بنسخ، وهي على ثلاثة مراتب أحدها ألا تتعلق الزيادة بالمزيد عليه، كما اذا أوجب الصلاة ثم أوجب الصوم فلا نعلم خلافًا لأن النسخ رفع الحكم وتبديله ولم يتغير حكم المزيد عليه بل بقي وجوبه واجزاؤه إلى آخره.
لا يخفى ان زيادة وجوب الصوم على وجوب الصلاة ليس نسخًا للصلاة كما ترى، وايضاح هذا المبحث أن فيه تفصيلًا لابد منه لم يذكره المؤلف، وهو أن الزيادة على النص لها حالتان:
الأولى: أن تنفي ما أثبته النص الأول أو تثبت ما نفاه وهذه لا شك أنها نسخ، ولم يتعرض لها المؤلف ﵀ ومثالها تحريم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير ونحو ذلك، فان تحريم هذه المحرمات ونحوها زادته السنة، على آية " قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه الا أن يكون ميتة " الآية، مع أن هذه الآية
الكريمة تدل على اباحة الحمر الأهلية وما ذكر معها، بدليل حصر المحرمات في الأربع المذكورة في الآية بأقوى أدوات الحصر، وهي النفي والاثبات ونظير الآية حصر المحرمات في الأربع المذكورة في النحل والبقرة بقوله تعالى في النحل "إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به " وقوله تعالى في البقرة " إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله".
[ ٨٩ ]
وقد تقرر في الأصول في مبحث دليل الخطاب أعني مفهوم المخالفة، وفي المعاني في مبحث القصر، إن (انما) من أدوات الحصر وهو الحق، فأحاديث تحريم الحمر الأهلية وذي الناب من السباع مثلًا، زادت تحريم شيء قد دل القرآن قبل ورود تحريمه على أنه مباح، فكونها نسخًا لا شك فيه، وان خالف فيه كثر من أهل العلم لوضوح النسخ فيه كما ترى، لأنه رفع حكم سابق دل عليه القرآن بخطاب جديد.
الحالة الثانية هي التي ذكرها المؤلف ﵀ وقسمها إلى مرتبتين:
المرتبة الأولى: أن تتعلق الزيادة بالمزيد عليه، على وجه لا يكون شرطًا فيه كزيادة تغريب الزاني البكر على جلده مائة.
والمرتبة الثانية: أن تتعلق الزيادة بالمزيد عليه، تعلق الشرط بالمشروط والتحقيق أن هاتين المرتبتين حكمهما واحد كما نصره المؤلف، وكما هو الحق وايضاحه أن الأولى منها زيادة جزء، والثانية زيادة شرط، وحكم زيادتهما واحد لأن التغريب جزء من الحد فزيادته على الجلد، زيادة جزء من الحد كما هو واضح، ومثله زيادة ركعتين في الرباعية بناء على أن الصلاة فرضت اثنتين، ثم زيد في صلاة الحضر
وبقيت صلاة السفر على ما كانت عليه كما جاء به الحديث.
ومثال زيادة الشرط زيادة وصف الايمان في صفة رقبة كفارة اليمين والظهار فمذهب الجمهور وهو الظاهر أن هذا النوع من الزيادات لا يكون نسخًا لأنه لم يرفع حكمًا شرعيًا، وانما رفع البراءة الأصلية التي هي الاباحة العقلية وهي استصحاب العدم الأصلي حتى يرد دليل صارف عنه والزيادة في مثل هذا زيادة شيء سكت عنه النص الأول فلم يتعرض له بصريح اثبات ولا نفي وخالف في هذا الامام أبو حنيفة ﵀ فمنع كون التغريب جزءًا من الحد، وان جاء بذلك الحديث الصحيح
قائلًا، ان الجلد كان مجزءًا
[ ٩٠ ]
وحده وزيادة التغريب دلت على أنه لا يكفي وحده بل لابد معه من زيادة التغريب، وهذا نسخ لاستقلال الجلد بتمام الحد وهذا بناء على أن المتواتر لا ينسخ بالآحاد لأن آية الجلد متواترة وأحاديث زيادة التغريب آحاد، والغرض عنده أن الزيادة نسخ والمتواتر لا ينسخ بالآحاد، فلم يقبل ثبوت التغريب بالآحاد بناء على ذلك ولأجل هذا بعينه لم يقل بالحكم بالشاهد واليمين في الأموال، الثابت عن النبي - ﷺ - بناء على أنه آحاد وأنه زيادة على آية " فان لم يكونا رجلين فرجل
وامرأتان ممن ترضون من الشهداء" وأن الزيادة على النص نسخ وأن المتواتر لا ينسخ بالآحاد، وكذلك قال الجمهور ان شرط وصف الايمان في رقبة كفارة اليمين والظهار ليس نسخًا فيلزم القول به حملًا للمطلق وهو رقبة كفارة اليمين والظهار على المقيد بالإيمان وهو كفارة القتل خطأ.
ومنع ذلك أبو حنيفة بأن الزيادة على النص نسخ وحمل المطلق على المقيد لا يصلح دليلًا على النسخ وايضاح هذا.
ان الجمهور قالوا هذا النوع من الزيادة لا تعارض بينه وبين النص الأول، والناسخ والمنسوخ يشترط فيهما المنافاة بحيث يكون ثبوت أحدهما يقتضي نفي الآخر ولا يمكن الجمع بينهما فالمزيد في مثل هذا مسكوت عنه، فان قيل هو مدلول عليه بمفهوم المخالفة فالجواب أن الحنفية المخالفين في هذا لا يقولون بمفهوم المخالفة أصلًا ونحن لا نقول به هنا، مع أنا لا نسلم دلالة المفهوم عليه فقوله تعالى "فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة " لا يدل على عدم وجوب شيء آخر بدليل آخر، اذ ليس فيه ما يدل على الحصر، فالمزيد مسكوت عنه في
النص المتقدم والزيادة رافعة للبراءة الأصلية لا لحكم شرعي منصوص بدليل شرعي،
[ ٩١ ]