واعلم أن حاصل أقوال العلماء فى الصلاة فى المكان المغصوب أربعة مذاهب.
الأول: أنها باطلة يجب قضاؤها وهو أصح الروايتين عن الأمام أحمد - ﵀ _.
الثانى: أنها باطلة ولا يجب قضاؤها لان النهى يقتضى البطلان ولان السلف لن بكونوا يأمرون بقضاء الصلاة فى المكان المغصوب وممن قال به الباقلانى والرازى ولا يخفى بعده.
الثالث: أنها صحيحة وهى رواية أخرى عن أخرى عن أحمد وعليه الجمهور منهم مالك والشافعى وأكثر أهل العلم وأكثرهم على أنها صحيحة لا أجر فيها كالزكاة اذا أخذت منه قهرًا.
الرابع: أنها صحيحة وله أجر صلاته وعليه اثم غصبه وهذا أقيس.
(فصل)
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
مصححوا الصلاة فى الدار المغصوبة قسموا النهى ثلاثة أقسام إلى آخره، اعلم أن حاصل كلام أهل الاصول فى هذه المسألة أن المنهى عنه اما أن تكون جهة النهى فيه منفردة، أعنى أنه لم تكن له جهة أخرى مأمور به منها كالشرك بالله والزنا، فان النهى
عنهما لم يخالطه أمر من جهة أخرى، وهذا النوع واضح لا اشكال فى أنه باطل على كل حال، واما أن يكون له جهتان: جهة مأمور به منها وجهة منهى عنه منها، وهم يقولون ى مثل هذا ان انفكت جهة الامر عن جهة النهى، فالفعل صحيح وان لم تنفك عنها الفعل باطل لكنهم عند التطبيق يختلفون.
[ ٢٩ ]
فيقول الحنبلى: الصلاة فى الارض المغصوبة منهى عنها من جهة الغصب مأمور بها من جهة الصلاة الا أن الجهة هنا غير منفكة لان نفس الحركة فى أركان الصلاة عين شغل الفراغ المملوك لغيره تعديًا، وذلك عين الغصب، فأفعال الصلاة لا تنفك عن
كونها غصبًا.
والصلاة يشترط فيها نية التقرب وتلك الأفعال التي هى شغل الفراغ المملوك لغيره غصب لا يمكن فية نية التقرب اذ لا يمكن أن يكون متقربا بما هو عاص به، أما اذا انفكت الجهة فالفعل صحيح كالصلاة بالحرير فان الجهة منفكة لا لبس الحرير منهى عنه مطلقا فى الصلاة وغيرها، فالمصلى بالحرير صلاته صحيحة وعليه اثم لبسه الحرير، فيقول المالكى والشافعى مثلا: لا فرق البتة بين الصلاة فى المكان المغصوب وبين الصلاة بالحرير، فالغصب أيضا حرام فى الصلاة وفى غيرها، فصلاته صحيحة وعليه اثم غصبه.
ويقول المالكى مثلا: مثال الجهة غير المنفكة، صوم يوم العيد أو الفطر لأن الصائم فيهما معرض عن ضيافة الله، لأن الأعراض عنهما هو الامتناع عن الأكل والشرب فلا يمكن انفكاك الجهة، فيقول الحنفى: الجهة منفكة أيضا لأن الصوم من حيث أنه صوم قربة ومن حيث كونه فى يوم العيد منهى عنه فالجهة منفكة ولذا لو نذر أحد أن يصوم يوم العيد فنذره عنده صحيح منعقد ويلزمه صيام يوم آخر غير يوم العيد ينائ على انفكاك الجهة عنده.
وقول المؤلف ﵀ فى هذا المبحث: قسموا النهى إلى ثلاثة أقسام:
ايضاح معناه أن المنهى عنه اما أن يكون النهى عنه لذاته أو لوصفه القائم به أو لخارج عنه، زاد بعض المحققين قسما رابعا وهو أن المنهى عنه لخارج عنه قد تكون فيه جهة النهى غير منفكة عن جهة الأمر وقد تكون منفكة عنها
[ ٣٠ ]
فتكون الاقسام أربعة مثال المنهى عنه لذاته الشرك والزنا ومثال المنهى عنه لوصفه القائم به الخمر بالنسبة إلى الاسكار ومثل له المؤلف بالصلاة فى حالة السكر لانها منهى عنها لوصف السكر القائم بالمصلى، ومثال المنهى عنه لخارج غير لازم، الصلاة بالحرير، ومثال المنهى عنه لخارج لازم عند المؤلف،
الصلاة فى المكان المغصوب والنهى يقتضى البطلان فى ثلاثة منها وهى ما نهى عنه لذاته أو لوصفه القائم به أو لخارج عنه لازم له لزوما غير منفك. أما الرابع فلا يقتضى البطلان وهو ما كان النهى عنه لخارج غير لازم وقد قدمنا اختلافهم فى انفكاك الجهة وقد بين صاحب مراقى السعود بعض المسائل التي اختلفوا فى انفكاك الجهة فيها وعدمه بقوله:
مثل الصلاة بالحرير والذهب أو فى مكان الغصب والوضوء انقلب
ومعطن ومنهج ومقبره كنيسة وذى حميم مجزره
والمؤلف ﵀ يرى أن الصلاة فى الأمكنة المنهى عنها باطلة والخلاف فيها مشهور.
(فصل)
قال المؤلف _رحمه الله _: