حرمت عليكم النبيذ المتخذ من العنب لعلة الاسكار، فنص على العلة التي هي الاسكار، فقياس النبيذ المسكر المتخذ من التمر على نبيذ العنب بجامع العلة المنصوصة التي هي الاسكار فينسخ هذا القياس اباحة نبيذ الذرة المسكر لأن تحريم نبيذ التمر واباحة نبيذ الذرة حكمان متضادان مع اتحاد علتهما وهي الاسكار فكان المتأخر منهما ناسخًا للمتقدم، كما لو قال الشارع: أبحت المسكر ثم قال حرمته.
واعلم أن القاعدة المقررة في الأصول أن المثال لا يعترض لأن المراد منه ايضاح معنى القاعدة ولذا جاز المثال بالمفروض المقدر والمحتمل كما أشار له في المراقي بقوله:
والشان لا يعترض المثال اذ قد كفى الفرض والحتمال
واعلم أن قياس النسخ على التخصيص في قول من قال: يجوز النسخ بما يجوز به التخصيص ظاهر البطلان، لأن التخصيص بيان وارشاد النسخ رفع للحكم كما قدمنا في الفوارق بين النسخ والتخصيص.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ـ
(فصل)
والتنبيه ينسخ وينسخ به الخ. اعلم أن مراده بكلمة التنبيه هنا وفي مبحث المفهوم والمنطوق هو مفهوم الموافقة، وضابط مفهوم الموافقة هو ما دل اللفظ لا في محل النطق على أن حكمه وحكم المنطوق به سواء وكان ذلك المدلول المسكوت عنه أولى من المنطوق به بالحكم أو مساويًا له، مثال ما هو أولى دلالة النهي عن التأفيف المنطوق به في قوله تعالى: " فلا تقل لهما أف" على النهي عن الضرب المسكوت عنه لأن الضرب أولى بالنهي من التأفيف لأنه
[ ١٠٦ ]
أبلغ في الايذاء منه، ومثال المساوي دلالة قوله تعالى "ان الذين يأكلون أموال اليتامى
ظلمًا " الآية. المنطوق به على تحريم احراق أموال اليتامى واغراقها المسكوت عنه مع أنه مساوي للمنطوق في الحكم لان الجميع اتلاف لمال اليتيم. وسيأتي ان شاء الله ايضاح أقسام المفاهيم في محله مع أمثلة كثيرة لكل قسم منها، واذا عرفت مراد المؤلف ﵀ بالتنبيه فاعلم أن معنى كلامه في هذا الفصل أن مفهوم الموافقة كالنهي عن الضرب المفهوم من النهي عن التأفيف، والنهي عن الاحراق والاغراق المفهوم من النهي عن الأكل في الأمثلة المذكورة يجوز أن ينسخ وينسخ به لأن اللفظ دل في محل السكوت على أنه كالمنطوق به في
الحكم أو أولى منه وجمهور علماء الأصول على أنه مفهوم من نفس اللفظ وليس بقياس خلافًا للشافعي الذي يسميه القياس الجلي، والقياس في معنى الأصل كما يأتي ايضاحه وايضاح بقية الأقوال فيه في محله ان شاء الله تعالى، واذا كان مدلولًا عليه باللفظ فلا مانع من نسخه دون أصله والنسخ به وهذا قول الجماعة من أهل الأصول، قالوا: يجوز عقلًا أن ينسخ الضرب ويبقى التأفيف كعكسه مثلًا قالوا: ولا مانع علقًا من ذلك وقد يأمر بعض الملوك بقتل انسان محترم عنده جدًا فينهي عن التأفيف في وجهه وغير ذلك من الازدراء به مع أنه
أمر بقتله مع أن القتل أشد ايذاءًا من التأفيف وغيره من الازدراء، وأكثر علماء الأصول على تلازمهما أعني المنطوق والمفهوم فلا ينسخان الا معًا ولا يمكن نسخ أحدهما دون الآخر، لأن المفهوم تابع للمنطوق ولازم له ورفع اللازم يقتضي رفع الملزوم، ورفع المتبوع يقتضي رفع التابع ومثال نسخ الفحوي والنسخ بها يذكرونه عادة على سبيل الفرض والتقدير، ويمكن عندي أن يمثل للنسخ بمفهوم الموافقة بما لو فرضنا أن قوله - ﷺ - (لي الواجد ظلم يحل عرضه
[ ١٠٧ ]
وعقوبته) ورد قبل نزول آية " فلا تقل لهما أف" وعمل به
قبل نزولها، لأن التخصيص بعد العمل بالعام نسخ كما قدمنا وايضاحه أن قوله في الحديث يحل عرضه، أي بقوله مطلني وعقوبته أي بالحبس، وعموم الحديث يشمل الوالد اذا مطل دين ولده وهو غني، وفحوى قوله " فلا تقل لهما أف" تدل على أنه لا يحبس الوالد في دين عليه لولده لأن الحبس أشد ايذاءًا من التأفيف، فإن ورد هذا المخصص قبل العمل بالعام فهو تخصيص، والا فهو نسخ وهو المقصود بالتقدير في المثال المذكور.
وقال المؤلف رحمه الله تعالى في هذا المبحث: واذا نسخ الحكم في المنطوق بطل الحكم في المفهوم، وفيما يثبت بعلته أو بدليل خطابه وأنكر ذلك بعض الحنفية لأنه نسخ بالقياس وليس بصحيح، لأن هذه فروع تابعة لأصل فاذا سقط حكم الأصل سقط حكم الفرع، وعلى هذا الذي ذكره المؤلف درج في المراقي بقوله:
ويجب الرفع لحكم الفرع أن حكم أصله يرى ذا رفع
وايضاح معنى كلام المؤلف رحمه الله تعالى أن منطوق اللفظ اذا نسخ بطل حكم ما تفرع عليه من مفهوم وما ألحق به بعلته، ومراده بدليل خطابه مفهوم مخالفته، فلو فرضنا نسخ قوله " كل مسكر حرام" لبطل قياس النبيذ على الخمر بجامع الاسكار، ولو فرضنا نسخ ايجاب الزكاة في السائمة لبطل مفهومه الذي هو عدم وجوبها في المعلوفة لبطلان أصله وهكذا، وخالف في هذا بعض الحنفية قائلين: ان الأصل حكم والفرع حكم آخر فيجوز نسخ هذا وبقاء هذا، ومثاله ما حكاه الباجي عن بعضهم من شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، قياسًا على شهادتهم
على المسلمين في الوصية في السفر المنصوص في قوله: أو آخران من غيركم بجامع العلة التي
[ ١٠٨ ]
هي تعذر وجود الشهود من المسلمين ثم نسخت شهادتهم على المسلمين في السفر على القول بذلك بقوله: " واشهدوا ذوي عدل منكم"، وقوله " ممن ترضون من الشهداء" والكفار غير مرضيين، وقوله: " ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون" أي وأحرى الكافرون برد الشهادة من الفاسقين، وبقي حكم شهادة بعضهم على بعض غير منسوخ مع نسخ الأصل المقيس عليه بناء على القول بذلك.