المذهب الثاني: انه يفد اليقين ان كان الرواة عدولا ضابطين واحتج القائلون بهذا بأن العمل بخبر الآحاد واجب والظن ليس من العلم حتى يجب العمل به لأن الله تعالى يقول: «ان الظن لا يغني من الحق شيئًا» . والنبي ﷺ يول: (إياكم والظن فإن الظن أكذب. الحديث.) وهذا القول بافادته العلم رواية عن أحمد وحكاه الباجي عن ابن خويز منداد من المالكية وهو مذهب الظاهرية.
المذهب الثالث: هو التفصيل بأنه احتفت به قرائن دالة على صدقة أفاد اليقين والا أفاد الظن ومثال ما احتفت به القرائن اخبار رجل بموت ولده المشرف على الموت مع قرينة البكاء واحضار الكفن والنعش. ومن أمثلته أيضًا أحاديث الشيخين لأن القرائن دالة على صدقها لجلالتها في هذا الشأن وتقديمهما في تمييز الصحيح على غيرهما وتلقي العلماء لكتابهما بالقول وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق كما قاله غير واحد واختار هذا القول ابن الحاجب وإمام الحرمين والامدي والبيضاوي قاله صاحب الضياء اللامع وممن
اختار هذا القول أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى وحمل بعضهم الرواية عن أحمد على ما قامت القرائن على صدقة خاصة دون غيره.
قال مقيده عفا الله عنه: -
الذي يظهر لي أنه هو التحقيق في هذه المسألة والله جل وعلا أعلم ان خبر الآحاد أي الذي لم يبلغ حد التواتر ينظر اليه من جهتين هو احداهما قطعي ومن الأخرى ظني ينظر اليه من حيث أن العمل به واجب وهو من هذه الناحية قطعي لأن العمل بالبينات مثلا قطعي منصوص في الكتاب والسنة وقد أجمع عليه المسلمون وهي أخبار آحاد.
وينظر إليه من
[ ١٢٣ ]
ناحية أخرى وهي هل ما أخبروا به مطابق للواقع في نفس الأمر فلو قتلنا رجلا قصاصًا بشهادة رجلين فقتلنا له هذا قطعي شرعًا لا شك فيه وصدق الشاهدين فيما أخبرا به مظنون في نفس الأمر لا مقطوع به لعدم العصمة. ويوضع هذا قوله ﷺ في حديث أم سلمة المتفق عليه: (انما أنا بش وأنكم تختصمون إلى فلعل بعضكم أن يكون الحن، بحجته من بعض فأقضى له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من نار فليأخذها أو ليتركها) .
فعمل النبي ﷺ في قضائه قطعي الصواب شرعًا مع أنه صرح بأنه لا يقطع بحقيقة الواقع في نفس الأمر كما ترى، وأشار في المراقي إلى الأقوال في هذه المسألة بقوله في خبر الآحاد:
ويوضحه أيضًا قول علماء الحديث في تعريف الصحيح أن المراد صحته في ظاهر الأمر.