قد أشار تعالى إلى ما يعرف به زوال السكر، وهو أن يكون فاهمًا لما يتكلم به غير طائش عنه، وذلك فى قوله " حتى تعلموا ما تقولون..) الآية. وأما المكره فجزم المؤلف ﵀ بأنه مكلف واطلاقه تكليفه من غير تفصيل لا يخلو من نظر، اذ الاكراه قسمان:
قسم لا يكون فيه المكره مكلفًا بالاجماع كمن حلف لا يدخل دار زيد مثلا، فقهره من هو أقوى منه، وكبله بالحديد، وحمله قهرًا حتى أدخله فيها فهذا النوع من الاكراه صاحبه غير مكلف كما لا يخفى، اذ لا قدرة له على خلاف ما أكره عليه.
وقسم هو محل الخلاف الذى ذكره المؤلف، وهو ما اذا قيل له افعل كذا مثلا والا قتلتك، جزم المؤلف بأن المكره هذا النوع من الاكراه مكلف، وظاهر كلامه أنه لو فعل المحرم الذى أكره عليه هذا النوع من الاكراه لكان آثمًا والظاهر أن فى ذلك تفصيلا.
فالمكره على القتل بان قبل أقتله والا قتلتك أنت، لا يجوز له قتل غيره، وان أدى ذلك إلى قتله هو، وأما فى غير حق الغير الظاهر أن الاكراه عذر يسقط التكليف، بدليل قوله تعالى: "الا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ".
وفى الحديث: (ان الله تجاوز لى عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)
والحديث وان أعله أحمد وابن أبى حاتم فقد تلقاه العلماء بالقبول وله شواهد ثابتة فى الكتاب والسنة، وأما خطاب الكفار بفروع الاسلام
[ ٣٩ ]
فاختلف فيه، فقيل غير مخاطبين بها، واحتج من قال بأنهم لو فعلوها فى حال كفرهم لم تقبل منهم ولا يجب قضاؤها عليهم بعد الاسلام وما لم يقيل منهم فلا يخاطبون به، وهذا الاحتجاج مردود لأنهم مخاطبون بها وبما لا تصح الا به وهو الاسلام، كالمحدث يخاطب بالصلاة وبما لا تصح الصلاة الا به كالطهاره كما قدمنا من
أن ما لا يتم الواجب الا به واجب.
والحق أنهم مكلفون بها لدلالة النصوص على ذلك فمن الأدلة عليه قوله تعالى:
(ما سلككم سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين) . الآية. ففى الآية التصريح بأن من الاسباب النى سلكتم فى سقر عدم اطعام المسكين، وهو فرع من الفروع ونظيره قوله تعالى:
(خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم فى سلسة ذرعها سبعون ذراعًا فاسلكوه) .
ثم بين السبب بقوله تعالى:
(انه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين) . الآية.
ومن الادلة على ذلك قوله تعالى:
والذين لا يدعون مع الله الهآ آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله الا بالحق) إلى قوله تعالى:
(يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيها مهانا) . الآية. لان الآية نص فى مضاعفة العذاب
[ ٤٠ ]
فى حق من جمع بين المحظورات.
واعلم أن المسألة فيها ثلاثة أقوال:
الأول: أنهم مخاطبون بها وهو الحق.
الثانى: أنهم غير مخاطبين بها مطلقًا.
الثالث: أنهم مخاطبون بالنواهى لصحة الكف عن الذنب منهم دون الأوامر وحجة من قال بالاطلاق أن الكف عن المنهى عنه وان صدر منهم فلا أجر لهم فيه، لأن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة.
وأما الجواب عن كونها لا تقضى بعد الاسلام، فهو أن الاسلام يجب ما قبله. قال المؤلف ﵀ فأما الشروط المعتبرة لفعل المكلف به فثلاثة، أحدهما أن يكون معلومًا للمأمور به حتى يتصور قصده إليه وأن يكون معلومًا كونه مأمورًا به من جهة الله تعالى، حتى يتصور فيه قصد الطاعة والامتثال، وهذا يختص بما يجب ته قصد الطاعة والتقرب.
ايضاح معنى هذا الشرط الاول أن الفعل المكلف به يشترط فى صحة التكليف به شرعًا أن يكون المكلف يعلمه فيشترط لتكليفه بالصلاة علمه بحقيقة كيفية الصلاة لان التكليف بالمجهول من تكليف ما لا يطاق، اذ لو قيل للمكلف أفعل ما أضمره فى نفسى أنك تفعله والا عاقبتك، فقد كلف بفعل ما لا طاقة له به لأن اهتداءه إلى الفعل المطلوب من غير علم ليس فى طاقته كما هو واضح.
واعلم أن الأحكام الشرعية قسمان: قسم منها تعبدى محض، وقسم معقول المعنى. فالتعبد كالصلاة والزكاة والصوم، فيشترط فى التكليف به العلم بحقيقة الفعل المكلف به كما بينا، ويزاد على ذلك العلم بأنه مأمور
[ ٤١ ]