يتوجه على هذا الذي ذكر في هذا البحث ثلاثة أسئلة:
١ - الأول: أن يقال كيف ساغ نسخ الحكم دون التلاوة مع أن التلاوة دليل الحكم، فكيف يرفع المدلول مع بقاء دليله، لأن هذا يلزمه الدليل
[ ٨٤ ]
بلا مدلول، وهو محال، إذ لا تعقل الدلالة بدون مدلول.
٢ - الثاني: أن يقال تقدم في حد النسخ أنه رفع الحكم إلى آخره فكيف يدخل نسخ التلاوة مع بقاء الحكم لأن الحكم فيه لم يرفع.
٣ - الثالث: أن يقال ما حكمة نسخ اللفظ مع أنه انما نزل ليتلى ويثاب عليه فكيف يرفع، اذ رفعه يقتضي انتقاء حكمته.
١ - ج - الجواب عن السؤال الأول هو أنا لا نسلم كون اللفظ دليلًا على الحكم بعد نسخ الحكم، بل هو انما يكون دليلًا علىه عند انفكاكه عما يرفع حكمه، فاذا جاء الخطاب الناسخ لحكمه زالت دلالته على الحكم بالكلية، كما قدمنا في الفوارق بين النسخ والتخصيص.
وايضاحه أن الحكم الشرعي المنسوخ مع بقاء اللفظ الدال عليه سابقًا، وتلاوة ذلك اللفظ وكتابته في القرآن وانعقاد الصلاة به كلها أحكام شرعية من أحكام ذلك اللفظ، وكل حكم شرعي فهو قابل للنسخ.
قال في المراقي:
وكل حكم قابل له وفى نفي الوقوع لاتفاق قد قفى
واذا عرفت ذلك عرفت أنه لا مانع من نسخ بعض أحكام اللفظ كالتحريم، والوجوب المفهوم منه، مع بقاء أحكام أخر من أحكامه لم تنسخ، كالتعبد به واجزائه في الصلاة ونحو ذلك.
فآية الاعتداد بحول مثلًا، نسخ ما دلت عليه من ايجاب تربص الحول على المتوفى عنها، وبقيت أحكام أخر من أحكامها لم تنسخ، وهي قراءتها في الصلاة، وكتابتها مع القرآن في المصحف، وهو واضح كما ترى.
[ ٨٥ ]
٢ - جـ - والجواب عن السؤال الثاني: هو أن نسخ التلاوة فقط معناه نسخ التعبد بلفظه والصلاة به وكتبه مع القرآن في المصحف وهذه أحكام من أحكامه، فلا مانع من نسخها مع بقاء حكم آخر لم ينسخ، وهو ما دل عليه اللفظ، فآية الرجم مثلًا لا مانع من نسخ التعبد بها والصلاة بها، وكتبها في المصحف مع بقاء حكم آخر من
أحكامها لم ينسخ، وهو رجم الزانيين المحصنين كما تقدم مثله فان قيل: كيف الجمع بين هذا وبين قولهم هذا منسوخ تلاوة لا حكمًا لأنه يفهم منه أن نسخ التلاوة مناف لنسخ الحكم.
فالجواب أن الحكم المنفى عنه النسخ في قولهم لا حكمًا غير الحكم المثبت له النسخ بنسخ التلاوة لأنها أحكام قد نسخ بعضها دون بعض كما تقدم قريبًا.
٣ - جـ - الجواب عن السؤال الثالث: هو انه لا مانع من أن يكون أصل المقصود من المنسوخ تلاوة لا حكمًا انما هو الحكم دون التلاوة، لكنه أنزل على رسول الله - ﷺ - بلفظ معين ليثبت به الحكم ويستقر الحال، والحال أنه هـ والمقصود فلا مانع من نسخ اللفظ، لأن المقصود هو مجرد الحكم فانه قيل: فان جاز نسخ التلاوة فلينسخ الحكم معها لأن الحكم تبع للتلاوة فكيف يبقى الفرع مع نسخ الأصل.
فالجواب: أن التلاوة حكم، وانعقاد الصلاة بها حكم آخر ودلالتها على ما دلت عليه حكم آخر، فلا يلزم من نسخ التعبد بها وعدم الصلاة بها نسخ حكمها الذي دلت عليه، فكم من دليل لا يتلى ولا تنعقد به صلاة، والآية المنسوخة تلاوتها مع بقاء حكمها دليل لنزولها وورودها، لا لكونها متلوة في القرآن والنسخ لا يرفع ورودها ونزولها، ولا يجعلها كأنها غير واردة بل يلحقها بالوارد الذي لا يتلى.
[ ٨٦ ]
قال المؤلف:
(فصل)