قال المؤلف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ويجوز النسخ بالأخف والأثقل إلى آخره، حاصل هذا المبحث أنه يجوز نسخ الحكم الأثقل بالأخف منه، كما يجوز نسخ الأخف بالأثقل منه، ومثال نسخ الأثقل بالأخف، نسخ الاعتداد بالحول في قوله تعالى: " متاعًا إلى الحول غير اخراج " الآية. بأربعة أشهر وعشر في قوله تعالى: " يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا " الآية. ومعلوم أن الأربعة أشهر وعشر ليال أخف من السنة وكنسخ مصابرة الواحد عشرة من الكفار، المنصوص في قوله تعالى: " إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين " الآية.
بمصابرة أثنين المنصوص في قوله تعالى: " الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا فان يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين " الآية. فان مصابرة أثنين أخف من مصابرة عشرة: وكنسخ قوله تعالى: " وان تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله " الآية. بقوله " لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها " الآية. ومثال نسخ الأخف بالأثقل نسخ التخيير بين الصوم والاطعام، المنصوص في قوله تعالى: " وعلى الذين يطيقون فدية طعام مسكين " الآية.
بقوله تعالى: " فمن شهد منكم الشهر فليصمه " الآية لأن ايجاب الصوم أثقل من التخيير بينه وبين الاطعام، ونسخ حبس الزواني في البيوت المنصوص عليه بقوله تعالى: " فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن
[ ٩٦ ]
الموت " الآية. والرجم أثقل من الحبس في البيوت، ولو قبل أن آية الحبس في البيوت غير منسوخة لأنها كانت لها غاية، هي قوله تعالى: " حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا " الآية.
وقد حصلت الغاية بجعل السبيل كما قال ﷺ: " خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا " الحديث، فذلك السبيل هو الجلد والرجم لكان حسنا متجهًا.
ومن أمثلته نسخ إباحة الخمر المنصوص في قوله تعالى: " تتخذون منه سكرًا ورزقًا حسنا " الآية. بقوله تعالى: " إنما الخمر والميسر - إلى قوله - فهل أنتم منتهون "، خلافًا لمن زعم أن تحريم الخمر رافع للبراءة الأصلية لا حكم شرعي، فليس عنده بنسخ، لأنه فسر قوله تعالى: " تتخذون منه سكرًا " بأن المراد بالسكر الطعم أو الخل لا الخمر، وهو خلاف الصحيح،
فان قيل كيف جاز نسخ الأخف بالأثقل والأثقل بالأخف مع أن الله يقول: " نأت بخير منها أو مثلها " فان كان الأثقل خيرًا لكثرة الأجر فلم جاز نسخه بالأخف، وإن كان الأخف خيرًا لسهولته فلم جاز نسخه بالأثقل.
فالجواب أن الخيرية دائرة بين الأخف والأثقل فتارة تكون في الأخف فينسخ به الأثقل لسهولة الأخف، وتارة تكون في الأثقل لكثرة الأجر فيه فينسخ به الأخف، وانكار الظاهرية لنسخ الأخف بالأثقل محتجين بقوله تعالى: "يريد الله بكم اليسر" وقوله: "يريد الله أن يخفف عنكم "، ونحو ذلك من الآيات لا وجه له، لأن
[ ٩٧ ]