فالحديث يدل دلالة لا لبس فيها على أ، عزم هذا المقتول المصمم على قتل صاحبه فعل، دخل بسببه النار لأنهم قالوا له: قد
عرفنا القاتل أي عرفنا الموجب الذى دخل بسببه النار، وهو قتل المسلم فما بال المقتول، أي ما تشخيص الذنب الذى دخل بسببه النار لانه لم يحصل منه قتل بالفعل، فأجابهم:
بأن سبب دخوله النار هو حرصه على قتل صاحبه فدل ذلك بدلالة الايماء والتنبيه على أن حرصه على قتل صاحبه هو الفعل الذى دخل بسببه النار كما هو واضح، وقول المؤلف ﵀ فى هذه المسألة، والمقتضى بالتكليف هو بفتح الضاد بصيغة اسم المفعول أي الشيء المقتضى بالتكليف فعل وكف كما أوضحناه.
قال المؤلف - ﵀ _:
الضرب الثاني من الأحكام ما يتلقى من خطاب الوضع والأخبار وهو أقسام أيضًا:
اعلم أن ما ذكر من أقسام خطاب الوضع ستة أقسام:
القسم الأول: ما يظهر به الحكم هو نوعان: العلل والأسباب.
الثالث: الشرط. الرابع: الموانع الخامس: الصحة، السادس: الفساد وأنجر الكلام إلى الرخصة والعزيمة والقضاء والأداء والعادة، وهذه تفاصيل ذلك كله.
اعلم أولًا أن خطاب الوضع انما سمي خطاب الوضع لان الشرع وضع الخطاب بالاسباب والشروط والموانع مثلًا بمعنى أنه يقول اذا زالت الشمس مثلًا فقد وضعت وجوب الصلاة وإذا تم النصاب والحول فقد وضعت وجوب الزكاة، واذا حصل الحيض فقد وضعت سقوط الصلاة والصوم وقس على هذا.
[ ٤٨ ]
واعلم أنه يفرق بين خطاب التكليف وخطاب الوضع بفارقين ظاهرين وهما أن خطاب الوضع علامته أنه اما ألا يكون في قدرة المكلف أصلًا كزوال الشمس والنقاء من الحيض أو يكون في قدرته، ولا يؤمر به كالنصاب للزكاة والاستطاعة للحج وعدم السفر للصوم، وبهذا
تعرف أن خطاب التكليف علامته أمران أن يكون في قدرة المكلف، ويؤمر به فعلًا كالوضوء للصلاة أو تركان كسائر المنهيات، وخطاب الوضع أعم من خطاب التكليف لأن كل تكليف معه خطاب وضع اذ لا يخلو من شرط أو مانع مثلًا، وقد يوجد خطاب الوضع حيث لا تكليف كلزوم غرم المتلفات وآروش الجنايات لغير المكلف كالصبي، وقيل بينهما عموم وخصوص من وجه واعتمده القرافي في الفروق.
أما العلة فهي في اللغة: عبارة عما اقتضى تغييرًا ومنه سميت علة المريض لأنها اقتضت تغير الحال، ومنه قول زهير:
ان تلق يومًا على علاته هرما تلق السماحة منه والندى خلقا
أي ان تلقه على علاته أي حالاته المقتضية تغيير الوجود كالفقر والجدب تلقه متصفًا بالجود والسماحة على كل حال، والعلة العقلية عبارة عما يوجب الحكم لا محالة كتأثير حركة الاصبع في حركة الخاتم وتأثير الكسر في الانكسار والتسويد في السواد والفقهاء يستعملون العلة في ثلاثة أشياء:
الأول: ما يوجب الحكم لا محالة أي اذا وجد قطعًا وهو المجموع المركب من مقتضى الحكم، وشرطه ومحله وأهله كوجوب الصلاة فانه حكم شرعي ومقتضيه أمر الشارع بالصلاة وشرطه أهنية المصلي لتوجه الخطاب عليه بأن يكون بالغًا عاقلًا ومحله الصلاة وأهله المصلى، فاذا وجد هذا المجموع وجدت الصلاة ويطلق على هذا المجموع اسم العلة تشبيهًا بالعلة العقلية، وقول المؤلف في هذا البحث: والاهل والمحل: وصفان من
[ ٤٩ ]
أوصافها إلى آخره صوابه أن يقول: ركنان من أركانها لان الأهل والمحل ركنان من أركانها على هذا التفسير لها.
الثاني: من الأشياء التي يطلقون عليها العلة هو العلة التي تخلف شرطها أو وجد مانعها كاليمين مع عدم الحنث بالنسبة لوجوب الكفارة، فاليمين علة الكفارة وشرط وجوبها بها الحنث فتسمى اليمين دون الحنث علة وهي علة تخلف شرطها، وهكذا في نحوه وهذا أولى عند المؤلف.
الثالث: من الأشياء التي يطلقون عليها اسم العلة هو: الحكمة وضابط الحكمة أنها هي المعنى الذي من أجله صار الوصف علة فعلة تحريم الخمر مثلًا الاسكار، وحكمته حفظ العقل لان حفظ العقل هو الذي صار من أجله الاسكار علة للتحريم في الخمر، قال صاحب مراقي
السعود في تعريف الحكمة:
وهي التي من أجلها الوصف جرى علة حكم عند كل من درى
وهذا هو معنى قول المؤلف ﵀ كقولهم المسافر يترخص لعلة المشقة لان علة الرخصة بالقصر وعدم الصوم هي السفر والحكمة رفع المشقة لأنها هي التي من أجلها صار السفر علة للرخصة.