قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
(فصل)
وذهب الجبائي إلى أن خبر الواحد انما يقبل اذا رواه عن النبي ﷺ اثنان ثم يرويه عن كل واحد منهما اثنان إلى يصير في زماننا إلى حد يتعذر معه إثبات حديث أصلا الخ خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن لجبائي قاس الرواية على الشهادة وهذا مذهب باطل بإجماع من يعتد به من العلماء. فرواية المرأة كرواية الرجل وليست شهادتها كشهادته.
ورواية النساء مقبولة في الدماء والحدود ونحو ذلك ولا تقبل شهادتهن في ذلك والشهادة في الزنا لا بد فيها من أربعة والرواية فيه لا تحتاج إلى ذلك إلى غير ذلك من الفوارق بينها التي لا نزاع فيه بين أهل العلم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
ويعتبر في الراوي المقبول روايته أربعة شروط: الإسلام والتكليف والعدالة والضبط الخ اعلم أن الكافر لا تقبل روايته على التحقيق ولو كان متأولا معظمًا للدين لأن منصب القبول لا يستفاد بغير الإسلام وخلاف من خالف في هذا لا يعول عليه وأما غير المكلف كالصغير والمجنون فلا
تقبل روايته أيضًا على التحقيق أما المجنون فلا تقبل مطلقا لا في التحمل ولا في الأداء وأما الصبي فيقبل في التحمل دون الأداء على التحقيق والمعنى أنه ان سمع الحديث من النبي فتحمله عنه وهو صغير عاقل ثم أداه بعد بلوغه قبل كما هي حالة رواية ابن عباس والحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن الزبير والنعمان بن بشير وأضرابهم أما لو أداه في حال
[ ١٣٣ ]
صغره فانه لا تقبل روايته لكونه لا يخاف الله ولا يعرفه ولو فرضنا أنه يعرفه فهو يعلم أن الصبي مرفوع عنه القلم فلا يخاف عاقبة الكذب ولأنه لا يقبل قوله فيما يخبر
به عن نفسه وهو الاقرار فما يخبر به عن غيره أولى بعدم القبول ولا ينتقض هذا بالعبد فان إقراره لا يقبل مع أن روايته مقبولة لأن المانع من قبول إقراره هو حق سيده الذي يملكه وليس لأحد إقرار بملك غيره مع أن قومًا أجازوا إقراره في العقوبات البدنية وهو مذهب مالك وقول من قال من العلماء بقبول شهادة الصبيان فيما يقع بينهم من الجنايات لا يرد على ما ذكرنا لأنه من قبيل الاستدلال بالقرائن اذا كثروا وأخبروا قبل التفرق مع مسيس الحاجة لذلك لكثرة وقوع الجنايات بينهم وانفرادهم غالبا عن غيرهم وأما الضبط فلا خلاف في
اشتراطه فلا تقبل رواية غير المميز ولا المجنون ولا المغفل الذي لا يحسن ضبط ماحفظه ليؤديه على وجه فلا ثقة بقوله وان كان غير فاسق والضبط في اللغة هو حفظ الشئ بالحزم وفي الاصطلاح هو كون الراوي غير كثير الغلط والخطأ بل خطؤه نادر ويعرف ذلك بمخالفته للجماعة المشهورين بالعدالة والضبط فمن كثرت مخالفته لهم فليس بضابط فلا تقبل روايته ومن ندرت مخالفته لهم فهو الضابط المستكمل لهذا الشرط قال في طلعة الأنوار معرفًا للضابط:
كذاك لا يقبل إلا من ضبط من زايل الخطأ كثيرًا والغلط
بالضابطين اتعبرن فإن غلب وفق فضابط وإلا يجتنب
وأما العدالة فلا اختلاف في اشتراطها في الراوي والعدالة في اللغة التوسط وفي الاصطلاح سلامة الدين من الفسق والمروءة من القوادح وعرفها ابن عاصم في رجزه بقوله:
والعدل من يجتنب الكبائرا ويتقى فى الأغلب الصغائرا
وما أبيح وهو في العيان بقدح في مروءة الانسان.
[ ١٣٤ ]
وقال بعض علماء الأصول: العدالة هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروؤة جميعًا حتى تحصل ثقة النفوس بصدقة فلا ثقة بقول من لا يخاف الله تعالى خوفًا وازعًا عن الكذب وخلاف أهل الأصول في اشتراط الملكة المانعة من فعل ما يخل بالدين والمروءة مشهور وممن جزم باشتراط الملكة فيها صاحب جمع
الجوامع والغزإلى والأبياري والفهري وغيرهم وأكثر أهل على أن العدل هو من يجتنب الكبائر مطلقًا وصغائر الخسة مطلقًا كسرقة لقمة وتطفيف جبة لدلالة ذلك على سقوط مروءته وساقط المروءة لا ثقة بقوله ويجتنب صغائر غير الخسة في أغلب الأحوال ويجتنب ما يخل بالمروءة عرفًا من المباحات كالبول في الطريق والأكل في السوق لغير سوقي ونحو ذلك وظاهر كلامهم سواء كان الاجتناب بسبب ملكه أي هيئة راسخة في النفس ومجاهدتها دون فعل ذلك وهذا هو الأظهر عندي وممن ما ل اليه ابن حلولو في الضياء اللامع والعبادي في الآيات البينات
والله تعالى أعلم، واعلم أن الإصرار على الصغيرة يصيرها كبيرة لاشعاره بعدم التقوى من فاعله، قال في المراقي:
ولا صغيرة مع الإصرار المبطل الثقة بالأخبار
وخلاف العلماء في حد الكبيرة معروف فلا نطيل به الكلام هذا وما ذكره المؤلف من اشتراط العدالة يعلم منه أنه لا تقبل رواق فاسق وهو كذلك كما نص الله على ذلك في قوله: «ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هو الفاسقون» الآية.
وقوله: «ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين» أما ان كان فسقة بارتكاب كبيرة كقذف المحصنات ونحو ذلك فلا
[ ١٣٥ ]
خلاف في عدن قبول روايته وأما ان كان فسقة عن تأول كبعض أهل الأهواء الذين لم تبلغ بهم بدعهم الكفر البواح فاختلاف أهل الأصول والحديث في قبول رواياتهم معروف فأما من كان منهم برى أن الكذب لترويج بدعته جائز كالخطابية وغيرهم فلا تقبل روايته قولا واحدا وكذلك من يدعو منهم إلى بدعته أما الذي لا يدعو إلى بدعته ولا يرى جواز الكذب بل عرف الصدق والتحرز من الكذب
واحترام الدين فأكثر أهل العلم على قبول روايته لأن صدقه مما يغلب على الظن وقد روى الشيخان وغيرهما من جماعة من المبتدعة من خوارج ومرجئة وقدرية وممن اخرج له البخاري عمران بن حطان وهو القائل في ابن ملجم قاتل أمير المؤمنين علي ﵁ يمدحه على ذلك.
يا ضربة من تقى ما أراد بها إلا يبلغ من ذى العرش رضوانا
إنى لأذكره من غوى فأحسبه أوفى البرية عند الله ميزانا
ولقد صدق من رد عليه بقوله:
بل ضربة من غوى أوردته لظى وسوف يلقى بها الرحمن غضبانا
وفي هذه المسألة أعني الرواية عن أهل البدع كلام كثير للعلماء لم نطل به الكلام وأظهره هو ما ذكرنا والله تعالى أعلم وانما العدالة بواحد من ستة أمور:
الأول: الاختبار بالمعاملة والمخالطة التي تطلع على خبايا النفوس ودسائسها.
الثاني: التزكية ممن ثبتت عدالته وهي أخبار العدول المبرزين عنه بصفات العدالة.
الثالث: السماع المتوتر أو المستفيض عنه أنه عدل فمن اشتهرت عدالته
[ ١٣٦ ]
بين أهل العلم وشاع الثناء عليه بالعدالة كفى ذلك في ثبوت عدالته كمالك والسفيانين والأوزاعي والشافعي وأحمد وأشباههم.
الرابع: قضاء قاض بشهادة شاهد ان كان معروفًا عنه أنه لا يحكم بعلمه أو لم يكن عالمًا بالواقعة مع شهرته بالعدالة وعدم الحكم بقول غير العدل أو مجهول الحال فان احتمل أنه حكم بعلمه لا بشهادة الشاهد فليس ذلك تعديلا له. وحكى ابن الحاجب الإجماع على أن حكم القاضي بشهادة الشاهد نحو ما ذكرنا له والظاهر أنه لا يخلو من خلاف.
الخامس: أن يروي عنه من عرف من عادته أو من لفظه أنه لا يروى الا عن العدل كالبخاري في صحيحه ومالك فان تلك الرواية عنه تعديل له، وذهب جماعة من علماء الحديث إلى أن ذلك ليس تعديلا له لاحتمال مخالفته عادة وكونه ذلك تعديلا له هو اختيار الأصوليين أما ان كان يروى عن غير العدل فليست روايته عن شخص تعديلا له قولا واحدا.
السادس: أن يعمل عالم بروايته بشرط أن يعرف من لفظ ذلك العالم أو عادته أنه لا يعمل الا بقول العدل وعلى هذا جماعة من الأصوليين وقالت جماعة من أهل الحديث ليس عمل العالم بروايته تعديلا له ولا تصحيحًا لمرويه لجواز أن يكون عمل به احتياطًا أو في فضائل الأعمال التي أجاز بعضهم العمل فيها بالضعيف بشرطه المعروف في علم الحديث.
قال مقيده عفا الله عنه: -
ان كان العمل المذكور في الترغيب أو كان أحوط فالظاهر أن العمل له لا يستلزم تعديل رواية أما ان كان ليس من مواضع الترغيب وكان الاحتياط في ترك العمل به كما لو دل المروي المذكور على جواز أخذ مال إنسان أو عقوبته وكان العالم الذي عمل به لا يعمل الا برواية العدل فالظاهر أن عمله بروايته حينئذ تعديل له وقطع بذلك العبادي في الآيات البينات
[ ١٣٧ ]