بل لتعلق علم الله بأنه لا يوجد، لأن ماسبق فى علم الله أنه لا يوجد مستحيل عقلا أن يوجد لاستحالة تغير ما سبق به العلم الأزلى وهذا النوع يسمونه المستحيل العرضى، ونحن نرى أن هذه العبارة لا تنبغى لأن وصف استحالتة بالعرض من أجل كونها بسبب تعلق العلم الأزلى لا يليق بصفة الله، فالذى ينبغى أن يقال أنه مستحيل لأجل ما سبق فى علم الله من أنه لا يوجد ومثال هذا النوع ايمان أبى لهب فان ايمانه بالنظر إلى مجرد ذاته جائز عقلا الجواز الذاتى لأن
العقل يقبل وجوده وعدمه، ولو كان ايمانه مستحيلا عقلا لذاته لاستحال شرعًا تكليفه بالايمان مع أنه مكلف به قطعًا اجماعًا، ولكن هذا الجائز عقلا الذاتى، مستحيل من جهة أخرى، وهى من حيث تعلق الله فيما سبق أنه لا يؤمن لاستحالة تغير ما سبق به العلم الأزلى، والتكليف بهذا النوع من المستحيل واقع شرعًا باجماع المسلمين لأنه جائز ذاتى لا مستحيل ذاتى، والأقسام بالنظر إلى تعلق العلم قسمان واجب ومستحيل فقط، لان العلم اما أن يتعلق بالوجود فهو واجب أو بالعدم فهو مستحيل ولا واسطة، والمستحيل العادى كتكليف
الانسان بالطيران إلى السماء بالنسبة إلى الحكم الشرعى كالمستحيل العقلى هذا هو حاصل كلام أهل الأصول فى هذه المسألة، والآية لا دليل فيها على جواز التكليف شرعًا بما لا يطاق لأن المراد بما لا طاقة به هى الآصار والأثقال التي كانت على من قبلنا، لان شدة مشقتها وثقلها تنزلها منزلة ما لا طاقة به.
(فصل)
قال المؤلف:
والمقتضى بالتكليف فعل وكف، فالفعل، فالفعل كالصلاة والكف كالصوم
[ ٤٥ ]
وترك الزنا وشرب الخمر إلى آخره.
اعلم أن لله جل وعلا انما يكلف بالأفعال الأختيارية وهى باستقراء الشرع أربعة أقسام:
الاول: الفعل الصريح كالصلاة.
الثانى: فعل اللسان وهو القول والدليل على أن القول فعل قوله تعالى: (زخرف القول غرورًا ولو شاء ربك ما فعلوه) .الآية.
الثالث: الترك والتحقيق أنه فعل وهو كف النفس وصرفها عن المنهى عنه، خلافًا لمن زعم أن الترك أمر عدمى لا وجود له، والعدم عبارة عن لا شيء والدليل على أن الترك فعل الكتاب والسنة واللغة.
وأما دلالة الكتاب على أن الترك فعل ففى آيات من القرآن العظيم كقوله تعالى: " لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الاثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون "، فسمى الله جل وعلا عدم نهى الربانيين والأحبار لهم صنعًا والصنع أرخص مطلقًا من الفعل فدل على أن ترك الامر بالمعروف والنهى عن المنكر فعل بدليل تسمية الله له صنعًا.
وكقوله تعالى:" كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون " فسمى عدم تناهيهم عن المنكر فعلا وهو واضح ولم أر من الأصوليين من انتبه لدلالة هذه الآيات على أن الترك فعل، وقال السبكى فى طبقاته ان قوله تعالى
:" وقال الرسول يا رب ان قومى اتخذوا هذا القرآن مهجورًا ".
يدل على أن الترك فعل، قال لان الأخذ التناول والمهجور المتروك فصار المعنى تناولوه متروكان أي فعلوا تركة هكذا قال.
وأما دلالة السنة ففى
[ ٤٦ ]
أحاديث كقوله: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) فسمى ترك الأذى اسلامًا وهو يدل على أن الترك فعل أما اللغة فكقول الراجز.
لان قهدنا والنبى يعمل لذاك منا العمل المضلل
فمعنى قعدنا تركنا الاشتغال ببناء المسجد، وقد سمى هذا الترك عملا فى قوله لذاك منا العمل المضلل وبنبنى على الخلاف فى الترك هل هو فعل أو لا.
فروع كثيرة فى المذاهب كمن منع مضطرًا فضل طعام أو شراب حتى مات، فعلى أن الترك فعل فانه يضمن ديته، وعلى أنه ليس بفعل فلا ضمان عليه، وكمن منع صاحب جدار خاف سقوطه عمدا عنه حتى سقط، ومن أمسك وثيقة حق حتى تلف الحق. وأمثال هذا كثيرة جدًا فى الفروع فعلى أن الترك فعل فانه يضمن فى الجميع، وعلى أنه ليس بفعل فلا ضمان عليه، وأشار إلى هذا صاحب مراقى السعود بقوله:
ولا يكلف بغير الفعل باعث الأنبيا ورب الفضل
فكفنا بالنهى مطلوب النبى والكف فعل فى صحيح المذهب
له فروع ذكرت فى المنهج وسردها من بعد ذا البيت يجى
من شرب أو خيط ذكانة فضل ما وعمد رسم وشهادة وما
عطل ناظر وذو الرهن كذا مفرط فى العلف فادر المأخذا
الرابع: العزم المصمم على الفعل والدليل على أنه فعل قوله فى حديث أبى بكرة الثابت فى الصحيح اذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار، قالوا يا رسول الله قد عرفنا القاتل فما بال المقتول، قال انه كان حريصًا على قتل صاحبه،
[ ٤٧ ]