لقد كان للحياة الفكرية والحركة العلمية فى ذلك العصر والظروف التى هيأتها وأحاطت بها ونمتها وغذتها بلبانها -أثر كبير فى ازدهار العلم والعلماء وظهور الموسوعات العلمية فى مختلف المجالات، وبالتالى فى إظهار هؤلاء الكبار الذين قادوا حركة العلم والتأليف، وتتلمذ على أيديهم الإمام الأسنوى، مما كان له أكبر الأثر فى احتلاله المكانة العلمية التى تليق وما حصله من علم فى مختلف فروعه، حتى أصبح وحيد عصره وفريد دهره، وتقدم على أقرانه بل بعض شيوخه، وشهد له بذلك أساتذته، وأصبح يشار إليه بالبنان.
قال ابن العماد (١) نقلا عن ابن الملقن فى وصفه: "شيخ الشافعية ومفتيهم، ومصنفهم، ومدرسهم، ذو الفنون: الأصول والفقه والعربية وغير ذلك، تخرج به خلق كثير، وأكثر علماء الديار المصرية طلبته".
وقال فى الدرر (٢): "برع فى الفاته والأصلين، والعربية، وانتهت إليه رياسة الشافعية، وصار إليه المسار بالديار المصرية، ودرس وأفتى، وازدحمت عليه الطلبة وانتفعوا به، وكثرت تلامذته، وكانت أوقاته محفوظة مستوعبة للأشغال والتصنيف، وكان ناصحًا فى التعليم، مع البر والدين والتواضع، والتودد".
وشهد له شيخه أبو حيان وكتب له "بحث على الشيخ فلان كتاب التسهيل، ثم قال له لم: أشيخ أحدًا فى سنك" (٣).
وقد تكلمنا عن الحياة العقلية والحركة العلمية بإيضاح فيما سبق فى الباب الأول.
_________________
(١) شذرات الذهب ٦/ ٢٢٣، ٢٢٤.
(٢) ٢/ ٢٤٨.
(٣) المرجع السابق.
[ ١ / ١٢٤ ]
ويبقى أن نتكلم عن شيوخه بتفصيل حتى يمكننا أن نتعرف على مقدار ما حصل عليه من ثقافة عصره على يد هؤلاء، ومقدار تأثره بكل منهم على حدة؛ لأن لهذا دخلًا كبيرًا فى اتجاهاته الفكرية والثقافية وأثرًا فعالًا فى مصنفاته وتغليب فنٍّ على آخر. ولذلك آثرنا أن نتكلم عنهم بالتفصيل فيما يأتى: