وإن من العوامل التى كانت سببًا فى نهضة الإمام الأسنوى علميًا وارتقائه ثقافيًا وفقهيًا "استعداده الشخصى والذهنى"، بل قد أعتبر هذا العامل الرئيسى، والذى يحتوى على كل العوامل التى سبق أن تكلمنا عليها، فبدون هذا الاستعداد كان لا يمكن أن يخرج لنا موسوعة علمية كبرى فى جميع المجالات.
ولقد وجدنا هذا الاستعداد عند الأسنوى مبكرًا منذ صغره، فهو يحفظ التنبيه فى الفقه وعمره لا يتجاوز العشر فى ستة أشهر (٢)، وهذا يدلنا على مدى نبوغه العلمى، وكثرة استعداده وحبه للعلم والعلماء.
ولكثرة طموحه فإنه لم يقتصر على أن يأخذ العلم عن والده والعلماء من أسرته الذين استقروا فى مدينة إسنا، والتى كانت مركزًا كبيرًا من مراكز الثقافة العلمية فى البلاد المصرية، وتخرج فيه كثير من أكابر العلماء والفقهاء والشعراء (٣)، بل اتجه إلى مدينة القاهرة بعد وفاة والده سنة ٧٢١ هجرية، حيث العلم الذى يُشبع منه ظمأه، والعلماء الذين يرفع إليهم هامته، والمدارس العلمية التى تكفل له حاجته، والمكتبات العديدة التى تضج بها مدارس القاهرة وجوامعها، مع ما تحتويه من ذخائر العلم ونفائس الفقه، مما يجد فيه طموحه العلمى، ومما قد لا يتوافر بالطبع فى مدينته الصغرى "إسنا" المركز الأول لإشعاعه العلمى.
"وكانت القاهرة فى ذلك من أعظم مدن الإسلام ومجمع العلماء وموطن الأعلام، ومحط أولى المعابر والأقلام، ومقصد الحاضر والبادى" (٤).
_________________
(١) المرجع السابق: ١٧٣.
(٢) المنهل الصافى ٢/ ٣١٠، والدرر ٢/ ٤٦٣.
(٣) الطالع السعيد ص ٣٧.
(٤) انظر: المهمات ص ٣.
[ ١ / ١٣٧ ]
وهكذا وجد الأسنوى ضالته فى مدينة القاهرة، فشمر عن ساعد الجد حتى أصبح بلا منازع وحيد عصره، وفريد دهره، وتخرج به فضلاء عصره "بل أغلب علماء الديار المصرية فى وقته كانوا طلبته" (١).