لقد بلغت الحركة العلمية لهذا القرن ذروتها، فعلى الرغم مما اكتنف هذا القرن من ظلام الحكم المملوكى ومآسيه، فإن همة العلماء لم تفتر، فقد كانوا موكولين بتراث العرب وتجميع ما تبقى لديهم من أصوله، يحفظونه من الضياع ويقونه شر الخطوب، وكوارث الحروب. . وظلوا حفاظًا على هذه الثروة الفكرية يسلمونها من جيل إلى جيل، حتى أتت إلينا غنية موفورة تقدم بعض العزاء على ما فقدناه من تراثنا العربى الذى ذهب به الغزو التترى، وأتت على كثير منه الحروب الصليبية.
ولم يقف جهد العلماء عند حد دراسة هذه الكتب وخدمتها، ولكنهم بذلوا جهدًا أصيلًا، وأضافوا ثروة جديدة إلى ثروة الأقدمين، حتى أصبح يطلق على هذا العصر "عصر المجتمع العلمى"، أو "عصر الفقه والفقهاء".
لقد كانت حلقات العلم تعقد بجامع عمرو بن العاص فى مختلف فروع الثقافة والمعرفة، ومما يدل على أن هذه الحلقات كانت كثيرة، ما رواه العلامة شمس الدين محمد بن الصائغ (١) الحنفى من أنه "أدرك بجامع عمرو -قبل الوباء الذى حدث سنة ٧٤١ هـ (١٣٤٠ م) - بضعًا وأربعين حلقة لإقراء العلم لا تكاد تبرح منه".
وكان بالجامع زوايا يدرس فيها الفقه، منها زاوية الإمام الشافعى، وكان يتولى
_________________
(١) وهو فقيه لغوى، وأديب نحوى، توفى سنة ٧٧٦ هـ. له ترجمة فى حسن المحاضرة ١/ ٢٦٨، والدرر ٣/ ٤٩٩، وشذرات الذهب ٦/ ٢٤٨، ومعجم المؤلفين ١٠/ ١٤٤.
[ ١ / ٣٥ ]
التدريس فيها أعيان الفقهاء وحلية العلماء. ومنها الزاوية المجدية (١)، والصاحبية (٢).
ومن ذلك يبدو لنا أن الحركة العلمية فى هذا الجامع العتيق كانت قوية نشطة فى هذا العصر الذى نتحدث عنه، بل كانت حينئذ أقوى وأنشط منها فى الجامع الأزهر، وغيره من جوامع مصر والقاهرة.
ولم يلبث الأزهر أن ظفر بمكانة علمية سامية، يدل عليها أن الذى تولى خطابته فى عهد المنصور قلاوون، وابنه، هو: عبد الرحمن ابن بنت الأعز قاضى قضاة الشافعية، ومن بعده كذلك محمد بن إبراهيم بن جماعة، المتوفى سنة ٧٩٠ هـ (١٣٨٨ م).
وقد ذاع صيت الأزهر منذ ذلك العهد وأصبح معهدًا علميًا يؤمه الناس من كل فج، ولقى من العناية الشئ الكثير، وزاد فى مجده أن غزوات المغول فى الشرق قضت على معاهد العلم فيه، وأن الإسلام فى المغرب أصابه من التفكك والانحلال ما أدى إلى دمار مدارسه الزاهية (٣).
كما أن غنى المكتبة العربية بنتاجها الضخم فى ذلك العصر ليدلنا أيضًا على حركة علمية قوية، وثقافة ممتازة، تنوعت فروعها، وحمل لواءها أعلام نابغون من فقهاء على المذاهب الأربعة وغيرها، إلى نحاة ولغويين، وعروضيين ومفسرين، ومقرئين، ومتكلمين (٤).
ولقد تمثلت قمة النشاط الفكرى لهذا القرن فى مصر بالذات، لما حباها اللَّه من أسباب توفرت فيها دون غيرها.
يقول الإمام جمال الدين الأسنوى المتوفى سنة ٧٧٢ هـ -وهو من كبار علماء هذا
_________________
(١) وهى التى رتبها مجد الدين البهشتى الإسفرايينى الشافعى المتوفى سنة ٧٤٩ هـ، وانظر معجم المؤلفين ٩/ ١٢٢.
(٢) وهى التى رتبها الصاحب تاج الدين محمد بن بهاء الدين، وانظر (أحمد بدوى)؛ (الحياة العقلية) ص ٨.
(٣) أحمد بدوى، (الحياة العقلية) ص ١٢.
(٤) المرجع السابق.
[ ١ / ٣٦ ]
القرن ومؤرخيه- فى وصف مصر: "وهى اليوم أعظم مدن الإسلام ومجمع العلماء، وموطن الأعلام، ومحط رحال أولى المحابر والأقلام، ومقصد الحاضر والبادى، صانها اللَّه وحماها" (١).
وإن معظم الذين ألفوا الكتب الجامعة للموضوعات المختلفة كانوا من المصريين، أو الشاميين فى عصر الاتحاد (٢).
وجاء فى كتاب القاهرة نقلًا عن الجلوى (٣) حينما زارها فى عهد الناصر محمد ابن قلاوون، وقد أدهشه ما وجد بها من ازدهار، فوصفها: "بأنها أيام أمن وسكون ودعة، فانسحب ذيل العز، وانضرب رواق الأمن، وانسدل ستر العافية فى الملإ والكافة".
وقد وصفها المقريزي بقوله: "رأينا أمراء هذا العصر قد شيدوا الكثير من المساجد والمدارس، وكانت تلك عامرة بخزانات الكتب العامرة، وكان بالمدرسة المحمودية خزانة كتب لا يعرف اليوم بديار مصر ولا بالشام مثلها" (٤).
وجاء فى كتاب القاهرة نقلًا عن ابن خلدون: "انتقلت إلى القاهرة فى أول ذى القعدة سنة ٧٨٤ هـ (١٣٨٢ م) فرأيت حاضرة الدنيا وبستان العالم ومحشر الأمم، ومدرج الدر من البشر، وإيواء الإسلام، وكرسى الملك. . . . الخوانك (٥) والمدارس بآفاقه، وتضئ البدور والكواكب من عليائه، ومن لم يرها لم يعرف عز الإسلام" (٦).
هذه هى صفحات من تاريخ القاهرة، فيها الزاهى، وفيها أيضا الداكن. أحداثها
_________________
(١) الأسنوى (المهمات) خـ ص: ٣٠ نسخة دار الكتب ٢٢٤ فقه شافعى.
(٢) عبد الرحمن زكى (القاهرة) ص: ١٢٨.
(٣) هو خالد بن عيسى الجلوى الأندلسى - كان حيّا سنة ٧٤٠ هـ، وقد وصفها فى كتابه "تاج المفرق فى تحلية أهل المشرق". وانظر الأعلام للزركلى ٢/ ٣٣٩، والقاهرة ص: ١٥٣.
(٤) الخطط التوفيقية ٢/ ٤، والقاهرة ص: ١١٧.
(٥) الخوانك أمكنة كانت تخصص للسكنى تلحق بالمسجد بداخله وبخارجه وتعرف بالزوايا، وكل زاوية معينة لطائفة من الفقراء، وأكثرهم - والأعاصم وكان يعين لكل زاوية شيخ وحارس.
(٦) القاهرة ص: ١٨١.
[ ١ / ٣٧ ]
موصولة تتعاقب، منذ أسسها جوهر الصقلى، فما وقع حادث فيها وانتشر خبره إلى الدنيا إلّا كان له أثره فيها، كما أن للقاهرة أيضًا أثرها الكبير فى العالم العربى، بل فى الإسلامى قاطبة فى شئون السياسة والعلوم والفنون. . وقد أنجبت القاهرة جماعات لا يحصى عددها من الفقهاء، والعلماء، والساسة، والأدباء تذكرهم حتى اليوم أعمالهم الخالدة.
ومن المظاهر العلمية العامة لهذا العصر الذى نتحدث عنه تخصيص سوق كبير للكتب فى مصر ودمشق، وكان موضعه بمصر فى الجانب الشرقى من جامع عمرو. ومما يدل على ضخامة ما بسوق دمشق من الكتب أن حريقًا شب فيها سنة ٦٨١ هـ (١٢٨٢ م) فأحرق لشمس الدين إبراهيم الجزرى خمسة عشر ألف مجلد سوى الكراريس (١).
ولقد كان من أبرز مظاهر النشاط الفكرى لهذا العصر هو مشاركة النساء فى هذه الحركة العلمية بجهد مشكور، فوجدنا من أكابر العلماء والفقهاء من يأخذ، وينقل، ويحدث عنهن. من أمثال زينب بنت أحمد بن عبد الرحيم المقدسية، المعروفة ببنت الكمال، المتوفاة سنة ٧٤٠ هـ (١٣٣٩ م). فقد جاء فى الدرر: "أنها تفردت بقدر وقر بعير من الأجزاء بالإجازة، وروت الكثير، وتزاحم عليها الطلبة، وقرءوا عليها الكتب الكبار، ولم تتزوج قط" (٢).
وقد أورد لنا "صاحب الدرر الكامنة - من أعيان المائة الثامنة" اثنتين وخمسين امرأة من أبرز من كن لهن نشاط كبير من النسوة فى الحركة العلمية لهذا القرن. . وأنه وإن كان الغالب أن نشاطهن قد اتجه نحو الاشتغال بعلم الحديث، فهو على كل حال ظاهرة مهمة من مظاهر ازدهار الحياة العقلية ورقيها لهذا القرن، ودليل كبير على قوة ونشاط الحركة العلمية فيه.
* * *
_________________
(١) نهاية الأرب: ٢٩/ ١٢٨.
(٢) الدرر ٢/ ٢١٠.
[ ١ / ٣٨ ]