إن السمة العامة لهذا العصر يغلب عليها التقليد؛ لأنه لا يخرج عن كونه امتدادًا للعصور التى سبقته، بعد أن اتجهت همة العلماء منذ القرن الرابع الهجرى إلى مناظرة المذاهب الأخرى، وإلى التقليد بدل الإجتهاد.
فقد صار مذهب كل إمام علمًا مخصوصًا عند أهل مذهبه، ولم يكن لهم سبيل إلى الإجتهاد والقياس على سبيل الإستقلال، واحتاجوا إلى تنظير المسائل فى الإلحاق، وتفريقها عند الإشتباه بعد الإستناد إلى الأصول المقررة من مذهب إمامهم (١).
قال النووى: "إن المجتهد المطلق لم يوجد مند القرن الرابع، بل كان الفقهاء مجتهدين اجتهادًا مقيدًا، أى أن لهم ملكة يستنبطون بها المسائل من الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. ولكنهم يتقيدون بمذهب إمامهم" (٢).
ولم يخرج الإتجاه العام فى التأليف عن الأقسام التى لا يؤلف عالم عاقل إلا فيها، وهى: إما شئ لم يسبق إليه فيخترعه، أو شئ ناقص يتمه، أو شئ مغلق يشرحه، أو شئ طويل يختصره، دون أن يخل بشئ من معانيه، أو شئ متفرق يجمعه، أو شئ مختلط يرتبه، أو شئ أخطأ فيه مصنفه فيصلحه (٣).
ومع ذلك فقد ظهر الإجتهاد، ووجد المجتهد فى بعض الأحيان وإن كان قليلا.
_________________
(١) انظر: معجم المصنفين ١/ ١٥٠.
(٢) ظهر الإسلام ٤/ ٢١٢.
(٣) انظر: كشف الظنون ص ٣٥.
[ ١ / ٥١ ]
فابن دقيق العيد (١)، مثلًا، قد أحدث ثورة كبرى فى مجال العلم ووصل إلى درجة الإجتهاد المطلق، وحقق العلوم وشدت إليه الرحال، وانتهت إليه رياسة العلم فى زمانه، ولم يختلف أحد فى أن ابن دقيق العيد هو العالم المبعوث على رأس المائة الثامنة (٢) وابن الزملكانى (٣) عالم العصر، وكان من بقايا المجتهدين ومن أزكياء زمانه (٤).
وتقى الدين السبكى (٥) الذي كتب عن نفسه. . "وأنا اليوم مجتهد الدنيا على الإطلاق هل يقدر أحد أن يرد على هذه الكلمة".
وقد عقب السيوطى على ذلك بقوله "وهو مقبول فيما قال عن نفسه" (٦).
والبلقينى (٧) والذى انتهت إليه رياسة المذهب والإفتاء وبلغ رتبة الإجتهاد وله ترجيحات فى المذهب الشافعى خلاف ما رجحه النووى، فقد أفتى بجواز إخراج الفلوس فى الزكاة، وقال إنه خارج عن مذهب الإمام الشافعى (٨).
هؤلاء وغيرهم، بعض نماذج لمن غيروا فى مجريات التأليف وابتكروا وجددوا وأضافوا الكثير للمكتبة العلمية الإسلامية.
وقد بلغ اهتمام الناس بالعلم فى القرن الثامن أنهم كانوا يحاولون أخذه من مصدره، ويتشربونه، ويسقونه من أفواه أصحابه مهما كلفهم ذلك من جهد وعناء
_________________
(١) تقى الدين/ محمد بن على بن وهب بن مطيع القشيرى، المتوفى بالقاهرة سنة ٧١٦ هـ (١٣١٦ م).
(٢) وانظر: طبقات السبكى الكبرى ٦/ ٢٢٠٢ (الطبعة الأولى)، وحسن المحاضرة ١/ ١٢٨، والدرر الكامنة ٣/ ١١٣، والكشف ٤١٨.
(٣) أبو المعالى/ محمد بن عبد الواحد بن عبد الكريم الزملكانى، الأنصارى الشافعى الدمشقى، توفى وهو فى طريقه إلى مصر بمدينة بلبيس شرقية، فى رمضان سنة ٧٢٧ هـ (١٣٢٧ م).
(٤) انظر: معجم المؤلفين (١١/ ٢٥) والنجوم الزاهرة ٩/ ٢٧٠، والبداية والنهاية لابن كثير ١٤/ ١٢١.
(٥) على بن عبد الكافى السبكى، المتوفى سنة ٧٥٦ هـ (١٣٥٥ م).
(٦) حسن المحاضرة ١/ ١٣٥، وانظر أيضًا: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكى ٦/ ١٤٦ - ٢٢٧. طبع المطبعة الحسينية بالقاهرة ١٣٢٤ هـ.
(٧) سراج الدين/ عمر بن رسلان بن نصر بن صالح الكنانى، المتوفى سنة ٨٠٥ هـ (١٤٠٢ م).
(٨) انظر: حسن المحاضرة ١/ ١٣٥.
[ ١ / ٥٢ ]
وحدثنا التاريخ عن كثير منهم من أمثال ابن جماعة (١) الذى بلغت شيوخه ١٣٠٠ شيخ (٢).
وإن مصر فى أثناء حكم المماليك ازدهرت بطائفة من هؤلاء العلماء الذين خدموا الأمة العربية، بل والعالم كله، فإن معظم الذين ألفوا الكتب الجامعة للموضوعات المختلفة، كانوا من المصريين أو الشاميين فى عصر الإتحاد (٣).
وإذا كنا قد تعرضنا هنا لهؤلاء البعض من الفقهاء الذين جددوا فى مجال العلم، وابتكروا فى مجال التأليف، فيحسن أن نأتى إلى المجتمع العلمى لهذا العصر، نتحدث عنه بالتفصيل، حتى يمكننا أن نقف على ما وصل إليه ذلك العصر من رقى وازدهار مع العلم والعلماء.
ومع ذلك، فإنه ليس بمقدور الباحث أن يستقصي جميع علماء هذا العصر؛ لأنه فوق طاقته وجهد كل إنسان؛ لأنهم قد بلغوا من الكثرة حدًا يصعب معه العدّ، ولكننا سنقتصر على الفقهاء منهم، ونخص من كان منهم بمصر فى ذلك العصر، لأن مصر كانت فى ذلك الوقت تمثل المركز العلمى والمنارة الإسلامية لبلاد العالم أجمع.
كما أننا سنقتصر فى دراستنا على أشهر الفقهاء منهم دون الجميع، وقد خصصنا الفصل الثالث لذلك.
* * *
_________________
(١) بدر الدين محمد بن إبراهيم بن سعد اللَّه بن جماعة الكنانى، المتوفى سنة ٧٦٧ هـ (١٣٦٥).
(٢) انظر: حسن المحاضرة ١/ ١٥١.
(٣) القاهرة: ص ١٣٨.
[ ١ / ٥٣ ]