كانت الحياة السياسية فى عصر المماليك غير مستتبة تمامًا، وكان التنازع بينهم قائمًا حتى بين الأسرة الواحدة.
ومما يدل على ذلك، أن المنصور قلاوون لما توفى صار الحكم إلى ابنه الملك الصالح علاء الدين، ولما توفى هذا سنة ٦٨٧ هـ -١٢٨٨ م تولى أخوه الآخر الأشرف خليل الحكم، إلا أن الأشرف قتل وتولى أخوه الناصر محمد الولاية وهو فى كفالة "كتبغا"، وعمره لم يتجاوز السنوات التسع، وفى سنة ٦٩٢ هـ تم خلع الناصر وتولى كتبغا مكانه، ولقب نفسه بالعادل، وفى سنة ٦٩٥ هـ - ١٢٩٥ م، تم خلع العادل وتولى "لاشين" المنصور الملك مكانه، تم قتل لاشين وعاد الناصر محمد ابن قلاوون إلى ملكه للمرة الثانية سنة ٧٠٧ هـ - (١٣٠٧ م) (١).
وكانت الفترة التى حكم فيها أولاد الناصر محمد بن قلاوون فترة يصفها علماء التاريخ بأنها تتسم بالضعف كشخصياتهم، وترجع قلة أهمية هذه الفترة أيضا لخلو عهدهم من الحروب والعلاقات الخارجية مع امتلائها بحوادث داخلية مهمة (٢).
ومع ذلك فقد بدا لكل أمير فيه قانون خاص به، يجمع الثروة والنقود لنفسه
_________________
(١) انظر: التاريخ الكبير لابن خلدون: ٤٠٦ - ٤١٥.
(٢) انظر: المقريزى: (السلوك) ٢، قسم ٣، ص ٩.
[ ١ / ٦٨ ]
على مقتضاه، ويبنى المساجد أو المدارس باسمه إشباعًا لروح التقوى أو حبًا للجمهور (١).
يقول ساطع الحصرى (٢): "إن العصر الذى عاش وعمل وفكر خلاله ابن خلدون -وهو النصف الثانى من القرن الثامن للهجرة والرابع عشر للميلاد- كان من عصور التحول والإستقلال فى جميع أنحاء التمدين الغربى، وتفكك وانحطاط فى العالم العربى، ومما تجدر ملاحظته أن العالم العربى فى عصر ابن خلدون كان يتمتع بوحدة أدبية وثقافية واضحة المعالم على الرغم من تفككه السياسى".
ومن هذا العرض الموجز للحالة السياسية لهذا العصر يمكن أن نأتى بالأسباب التى أدت إلى ازدهار الحركة العلمية لهذا العصر مع تفككه السياسى.
وقد آثرنا أن نأتى بهذا العرض أولا ليمكن أن نتعرف منه على الجو السياسى العام؛ لأن ذلك فى الغالب كثيرًا ما يكون له تأثير كبير على اتجاه الحركة العلمية وتحولها نحو الوجهة التى ينتمى إليها القائمون على هذه السياسة، كما أن ذلك الجو السياسى قد يكون عاملًا مؤثرًا فى مقدار النشاط العلمى وأثره، قوة وضعفًا.