لقد كان للمنزلة التى نالها علماء هذا العصر أثر كبير فى تشجيع طلب العلم وازدهار الحركة العلمية فيه، فقد أصبحت مكانة تتطلع إليها النفوس وتشرئب إليها الأعناق، فكان علماء الدين فى ذلك العصر موضع إجلال وتقدير من الحكام والشعب على حد سواء؛ لأنهم كانوا الواسطة بين الشعب والحكام حتى كان العلماء، وخاصة الفقهاء، كأنهم ملوك غير متوجين. ومن الأمثلة على ذلك:
عز الدين بن عبد السلام -فى مصر- فقد كان فقيهًا ممتازًا مسموع الكلمة شجاعًا قويًا، سليط اللسان حتى على الحكام، ولذلك لقب بسلطان العلماء. وقد جاء إلى القاهرة من الشام فى عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب فولاه خطابة جامع عمرو، حتى أنه لما مات قال السلطان: "إنى لم أشعر بلذة الملك إلا لما مات العزّ" (٣).
_________________
(١) انظر: الحياة العقلية ص: ٧.
(٢) انظر: الخطط ٢/ ٣١٧.
(٣) ظهر الإسلام ٤/ ٢١٢.
[ ١ / ٧٢ ]
ولقد استطاع بعض العلماء أن يكونوا ذوى نفوذ كبير عند السلاطين والأفراد، حتى نزل السلاطين عند رأيهم، يخشون سطوة نفوذهم (١).
وقد كانت العادة أن السلطان يجلس بديوان العدل وقضاة المذاهب الأربعة عن يمينه، وأكبرهم الشافعى وهو الذى يلى السلطان، ثم الحنفى ثم المالكى ثم الحنبلى، فإن احتاج الأمر إلى مراجعة القضاة راجعهم فيما يتعلق بالأمور الشرعية والقضايا الدينية، كما كانت العادة أنه إذا ولى أحدٌ المملكة من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاوون أن يحضر الأمراء ويقبلوا الأرض ويقيموا التشاريف ويعلو السلطان المملكة بحضور القضاة والأمراء، ويشهد عليه بذلك، ثم ينصرف ومعه القضاة (٢).
ومما ينبغى أن يذكر فى هذا المقام أن كثيرًا من علماء الأندلس النابهين وفدوا إلى هذه البلاد فى ذلك العصر، ووجدوا فيها أمنًا فقدوه فى ديارهم، وأحدث هؤلاء الوافدون حركة علمية قوية، ومن هؤلاء: ابن خلدون العالم المؤرخ الكبير، هذا ومما لا تثريب فيه أن كثيرًا من الناس أقبلوا على العلم يومئذ متطلعين إلى المناصب الكبرى التى كان أهل العلم يظفرون بها (٣).