تبع ابن قدامة في كتابه هذا الإمام الغزالي في "المستصفى"، حتى قال بعض العلماء: إن الروضة مختصر "المستصفى" (٤) .
وهذه مزية لكتاب "الروضة"؛ ذلك أن "المستصفى" ترجع أهميته إلى أمور، منها:
١- مكانة الغزالي العلمية.
٢- تأخر الغزالي في الزمان، فاستطاع لذلك الوقوف على أهم الكتب الأصولية (٥) .
_________________
(١) طبع الكتاب مؤخرًا، بتحقيق عادل العزازي سنة (١٤١٧هـ) .
(٢) انظر ملاحظات الدكتور أكرم العمري على هذه الطبعة، وذلك في كتابه: "دراسات تاريخية" (٢٢٣- ٢٣١)، فقد نبه على أمور، منها: أن المحقق اعتمد على نسخة واحدة رغم وجود غيرها، ووجود عدد من المصادر التي رجع إليها الخطيب، ومنها: أنه لم يضبط الأعلام، ومنها: وقوع سقط في مواضع متفرقة، ومنها: وجود أخطاء مطبعية كثيرة. وقد وضع الدكتور أكرم لبعضها جدولًا.
(٣) هو: عبد الله بن أحمد بن مقدام، المقدسي ثم الدمشقي، الفقيه الحنبلي، موفق الدين أبو محمد، كان إمامًا في عدة فنون خاصة في الفقه والحديث، له كتاب "المغني"، و"الكافي" و"المقنع"، و"العمدة"، كلها في الفقه، وله "ذم التأويل"، و"لُمعة الاعتقاد"، توفي سنة (٦٢٠هـ) . انظر: "ذيل طبقات الحنابلة" (٢/١٣٣)، و"الأعلام" (٤/٦٧) .
(٤) انظر: "شرح مختصر الروضة" (١/٩٨)، و"المدخل إلى مذهب الإمام أحمد" (٢٤٠) .
(٥) انظر: "مقدمة ابن خلدون" (٣٦١) .
[ ٥٤ ]
٣- كون "المستصفى" من آخر كتب الغزالي الأصولية، إذ ألفه بعد كتابيه: "تهذيب الأصول"، و"المنخول"، وجمع فيه بينهما (١) .
٤- أن الغزالي أحسن ترتيب "المستصفى" وأجاد، بحيث يفيد قارئه الإمساك بأطراف هذا الفن وجمع مقاصده (٢) .
لذلك لقي كتاب "المستصفى" الاهتمام والقبول والانتشار الواسع (٣)، بل إن كتاب "المستصفى" يعتبر مرحلة مهمة في تاريخ علم الأصول، إذ به اكتمل بناء هذا العلم واستوى على سوقه بالنسبة للمتكلمين.
فما قبل كتاب "المستصفى" من مؤلفات، اجتمعت في "المستصفى" بأحسن عبارة وألطف ترتيب، وما بعده من مؤلفات إنما هي اختصار للمستصفى واقتباس، فالمستصفى عمدة كتب الأصول عند المتكلمين، وركنها الوثيق، وسندها المتين. وقد أحسن ابن قدامة الاختيار حينما جعل كتاب "المستصفى" أصلًا لكتابه.
ومما يزيد هذا الاختيار حسنًا أن ابن قدامة لم يقلد الغزالي في آرائه وفي سائر منهجه، بل ظهرت لابن قدامة في "الروضة" لمساته، وبرزت فيه شخصيته المستقلة.
ولعل توضيح ذلك يكون بعقد موازنة مختصرة بين الكتابين: