بابًا بابًا مما روي عن سلف هذه الأمة ﵃ أجمعين لتتبع هديهم، وتسلك سبيلهم وتعرف ما اعتمدوا عليه من ذلك مجتمعين أو مختلفين في المعنى منه، فأجبتك إلى ما رغبت " (١) .
ومما مضى تبين أن الكتاب يبحث في موضوعين:
الأول: في فضل العلم وآداب أهله.
والثاني: في مباحث أصولية.
استغرق الموضوع الأول نصف الكتاب الأول تقريبًا.
وكان من أبرز المباحث الأصولية التي تكلم عليها في النصف الآخر من الكتاب.
* أصول العلم: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
* ما جاء في أن العلم هو ما كان مأخوذًا عن الصحابة، وما لم يؤخذ عنهم فليس بعلم.
* الاجتهاد والقياس.
* التقليد والاتباع.
* الفتوى.
* موضع السنة من الكتاب وبيانها له.
ويلاحظ: استفادة ابن عبد البر من مروياته الحديثية، ومن النقل عن أئمة المالكية (٢)، وحرصه على نقل ما عليه سلف الأمة، وهو يعقب -في الغالب- على ما يروي من آثار وأحاديث وعلى ما ينقل بقوله: "قال أبو عمر"، أو "قلت" (٣) .
_________________
(١) انظر: "جامع بيان العلم وفضله" (١/٣)
(٢) كالإمام مالك وأشهب وابن القاسم وابن وهب. انظر مثلًا (٢/٧٢، ٧٣، ٨١، ٨٨، ٩٥) .
(٣) وقد يسر الله جمع آراء ابن عبد البر الأصولية في رسالة علمية قدمها الباحث العربي بن محمد فتوح بعنوان: "أصول الفقه عند ابن عبد البر جمعًا وتوثيقًا ودراسة"، حصل بها على درجة الماجستير من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض سنة (١٤١١هـ) .
[ ٣١ ]
وقد نقل ابن عبد البر من كتب الشافعي في مواضع (١)، وعن محمد بن الحسن في مواضع (٢) .
وفي الجملة فإن هذا الكتاب مليء بالآثار والنقول المسندة عن عدد كبير من الصحابة ﵃ والتابعين من بعدهم، ومشتمل على أقوال ثلة من أهل العلم المتقدمين. والكتاب بحاجة إلى دراسة حديثية لآثاره وأسانيده (٣)، وتنظيم طباعي، وتحقيق علمي لمباحثه الأصولية، ومقدمة دراسية عن المؤلف وكتابه، وفهارس دقيقة متنوعة.
وقد ظهر في هذه المرحلة أيضًا كتابان:
الأول: كتاب "تقويم الأدلة" لأبي زيد الدبوسي (٤) .
والثاني: كتاب "المستصفى" للإمام الغزالي (٥) .
وكلا هذين الكتابين يمثل اتجاهًا مستقلًا في أصول الفقه.
فالأول يقول عنه ابن خلدون (٦): "أما طريقة الحنفية فكتبوا فيها كثيرًا،
_________________
(١) انظر مثلًا (٢/٦١، ٧٢، ٧٣، ٧٤، ٨٢) وقد نقل في مواضع عن المزني. انظر (٢/٨٣، ٨٩) .
(٢) انظر مثلًا (٢/٢٦، ٦١) .
(٣) صدرت مؤخرًا طبعة جديدة بتحقيق أبي الأشبال الزهيري.
(٤) هو: عبيد الله بن عمر بن عيسى الدبوسي الحنفي، أبو زيد، كان أحد من يضرب به المثل في النظر واستخراج الحجج، وهو أول من أبرز علم الخلاف إلى الوجود، له كتاب: "الأسرار"، و"تقويم الأدلة"، و"الأمد الأقصى"، توفي سنة (٤٣٠هـ) . انظر: "تاج التراجم" (١٩٢)، و"شذرات الذهب" (٣/٣٤٥) .
(٥) هو: محمد بن محمد بن محمد الطوسي، أبو حامد الغزالي، حجة الإسلام وأعجوبة الزمان، صاحب التصانيف والذكاء المفرط، شيخ الشافعية، برع في علوم كثيرة، له كتاب: "إحياء علوم الدين"، و"المنخول"، و"البسيط"، و"الوسيط"، و"الوجيز"، توفي سنة (٥٠٥هـ) . انظر: "سير أعلام النبلاء" (١٩/٣٢٢)، و"الأعلام (٧/٢٢) .
(٦) هو: عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن الحسن الحضرمي الأشبيلي المالكي، ولي الدين أبو زيد، ولي قضاء المالكية بالقاهرة ثم عزل، عالم أديب مؤرخ، له كتاب: "العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر" المعروف بتاريخ ابن خلدون، وله "لباب المحصل في أصول الدين"، توفي سنة (٨٠٨هـ) . انظر: "شذرات الذهب" (٧/٧٦)، و"معجم المؤلفين" (٥/١٨٨) .
[ ٣٢ ]