الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.
أما بعد:
فإن الله سبحانه أرسل رسوله محمدًا - ﷺ - بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون.
فأشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها، وتألفت به القلوب بعد شتاتها، وامتلأ به الكون نورًا وابتهاجًا، ودخل الناس في دين الله أفواجًا.
فلما أكمل الله تعالى به الدين، وأتم به النعمة على عباده المؤمنين، استأثر به ونقله إلى الرفيق الأعلى، وقد ترك أمته على المحجة البيضاء، والطريق الواضحة الغراء.
ثم قام بالدين بعده عصابة الإيمان وعسكر القرآن، أولئك أصحابه - ﷺ - ألين الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأحسنها بيانًا، وأصدقها إيمانًا، فتحوا القلوب بعدلهم بالقرآن والإيمان، والقرى بالجهاد بالسيف والسنان.
وألقوا إلى التابعين ما تلقوه من مشكاة النبوة خالصًا صافيًا.
وكان سندهم فيه عن نبيهم - ﷺ - عن جبريل عن رب العالمين سندًا صحيحًا عاليًا وقالوا: هذا عهد نبينا إلينا وقد عهدنا إليكم.
فجرى التابعون لهم بإحسان على منهاجهم القويم، واقتفوا على آثارهم صراطهم المستقيم.
ثم سلك تابعوا التابعين هذا المسلك الرشيد، وهدوا إلى الطيب من القول، وهدوا إلى صراط الحميد.
_________________
(١) في هذه المقدمة اقتباس من كلام ابن القيم ﵀. انظر: "إعلام الموقعين" (١/٤ - ٧، ١١، ٦٨) .
[ ٧ ]
ثم سار على آثارهم الرعيل الأول من أتباعهم، ودرج على منهاجهم الموفقون من أشياعهم، زاهدين في التعصب للرجال، واقفين مع الحجة والاستدلال، يسيرون مع الحق أين سارت ركائبه، ويستقلون مع الصواب حيث استقلت مضاربه، فدين الله في نفوسهم أعظم وأجل من أن يقدموا عليه قول أحد من الناس، أو يعارضوه برأي أو قياس.
ثم خلف من بعدهم خلوف فرقوا دينهم وكانوا شيعًا، كل حزب بما لديهم فرحون؛ حيث استعملوا قياساتهم الفاسدة، وآراءهم الباطلة، وشبههم الداحضة في رد النصوص الصحيحة الصريحة.
فردوا لأجلها ألفاظ النصوص التي وجدوا السبيل إلى تكذيب رواتها وتخطئتهم، وردوا معاني النصوص التي لم يجدوا إلى ألفاظها سبيلًا.
فقابلوا الألفاظ بالتكذيب، والمعاني بالتحريف والتأويل.
وملئوا بذلك الأوراق سوادًا، والقلوب شكوكًا، والعالم فسادًا.
وكل من له مسكة من عقل يعلم أن فساد العالم وخرابه، إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل.
وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلبٍ إلا استحكم هلاكه، وفي أمة إلا فسد أمرها أتم فساد.
فلا إله إلا الله، كم نُفي بهذه الآراء من حق وأثبت من باطل، وأميت بها من هدى، وأحيي بها من ضلالة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
لأجل ذلك فإن تجلية منهج السلف وبيان طريقتهم سبيل النجاة والخلاص، فهم الفرقة الناجية المذكورة، والطائفة الظاهرة المنصورة.
وقد أحببت أن أسهم -ولو بجهد المقل- في إيضاح منهج سلفنا الصالح في علم أصول الفقه على وجه الخصوص.
وبعد أن استخرت الله ربي، واستشرت بعض أساتذتي اخترت أن يكون موضوع رسالتي في مرحلة الدكتوراه: "منهج أهل السنة والجماعة في تحرير أصول الفقه" (١) .
_________________
(١) مما تنبغي الإشارة إليه في هذا المقام أنني قد أدخلت على الرسالة بعض التعديلات من إضافة وتنقيح وإعادة ترتيب، كما غيرت عنوان الرسالة إلى: "معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة".
[ ٨ ]